الثلاثاء، 14 فبراير، 2017

فهمي هويدي: انتشار الفقر والاختطاف يكشف مؤشرات الانهيار وثورة الجياع

فهمي هويدي: انتشار الفقر والاختطاف يكشف مؤشرات الانهيار وثورة الجياع

فهمي هويدي

 
تناول الكاتب الصحفي فهمي هويدي حصر عدد من حالات الاختطاف التي باتت تهدد الأغنياء وتمثل رسائل السخط التى تطلق فى الفضاء المصرى، ضد قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي الذي يزعم عودة دولة الأمن، ويروج عن طريق فضائياته لأهمية دولة العسكر في عودة الأمان الوهمي، للمتاجرة بأمن المصريين وحياتهم. 
 
وأشار هويدي خلال مقاله بصحيفة "الشروق" مساء أمس الاثنين، إلى ما نشرته جريدة الأهرام الصادرة يوم ١٢ فبراير الحالى (أمس الأول) إعلانا على الصفحة الأولى بحجم لافت للنظر كان عنوانه كالتالى: شكر وتقدير ــ يتقدم مستثمرو العبور بخالص الشكر وعظيم الامتنان إلى السادة الذين كانوا ١٤ ضابط شرطة يتقدمهم وزير الداخلية ــ أما موضوع الشكر فهو «ما بذلوه من جهود لإعادة الأستاذ فلان (الذى هو من رجال الأعمال)، الذى تم اختطافه وأعادوه إلينا سالما».
 
وقال هويدي إن رسالة الإعلان تقول إن عودة رجل الأعمال إلى بيته سالما صار خبرا يستحق توجيه الشكر وعظيم الامتنان لوزير الداخلية و١٤ ضابط شرطة. وهو أمر لا مبالغة فيه، لأن خطف رجال الأعمال واشتراط دفع فدية لإطلاقهم بات ملحوظا فى مصر خلال السنوات الأخيرة، مشيرا لقصة عصابة بورسعيد التى تخصصت فى تلك العمليات. وكان أبرز ضحاياهم مستثمر من بنجلاديش. ومن الضحايا المشهورين الذين تحدثت عنهم الصحف المصرية مستثمر سعودى يملك مصنعا للصلصة تم اختطافه مع سائقه فى طريق عودته من الإسماعيلية إلى القاهرة. وقيل آنذاك إن خاطفيه طلبوا خمسة ملايين جنيه لتحريره، أما غير المشهورين الذين تعرضوا للاختطاف ثم أخلى سبيلهم بعد دفع الفدية فى صمت فأعدادهم غير معروفة، لكنها ليست قليلة على أى حال، أو هكذا تقول الشائعات.
 
وأوضح هويدي أن حوادث السرقة والاختطاف تحولت إلى ظاهرة لم تعد تؤرق الأثرياء وحدهم، ولكنها باتت تزعج القادرين خصوصا الذين أصبحوا يعيشون فى منتجعات الضواحى، وغيرهم من أهالى تلاميذ المدارس الخاصة، الذين أصبح أطفالهم يتعرضون للاختطاف واشتراط دفع مبالغ مالية متفاوتة القيمة لإطلاقهم. حتى أصبحت حراسة أولئك الأطفال فى الذهاب والعودة هما يشغل أغلب الأسر.
 
ونوه هويدي إلى أن المشكلة تتخذ منحى آخر إذا لاحظنا أن بعض الجناة ليسوا مجرمين ولكنهم فقراء أو عاطلون. وأن الخطف ليس سوى شكل واحد من أشكال الانحرافات التى ظهرت أعراضها فى المجتمع. ولم تعد مقصورة على الطبقات المعدمة أو الفقيرة، ولكن عدواها انتقلت إلى الطبقات المتوسطة التى جرى إفقارها فى أجواء الغلاء الفاحش الذى أحدث تصدعات اجتماعية غير محسوبة.
 
وأبدى أسفه أن ليست لدينا دراسات يطمأن إليها توثق عمق ونتائج الأزمة الاقتصادية فى مصر، إذ يعتبر المسئولون نشر إحصاءات تفشى الجريمة وانتشار حوادث العنف بسبب الأزمة الطاحنة من قبيل تثبيط الهمم والانصراف عن الإنجازات. وربما كانت بيانات الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاءات هى الضوء الرسمى الوحيد الذى يوضح لنا بعض مؤشرات الأزمة، في ظل ارتفاع معدل التضخم السنوى فى شهر يناير إلى ٢٩.٦٪، وفصل تقريرها فى نسب الزيادات فى أسعار السلع الأساسية من اللحوم والدواجن إلى الخبز والألبان والكهرباء ومياه الشرب والوقود، طبقا للاتفاق الذى أبرم مع صندوق النقد الدولى. وهو ما يعنى أن معاناة الجماهير سوف تتضاعف، الأمر الذى سيرفع من معدلات العنف والجريمة والفساد أيضا. لأن ملايين الموظفين من ذوى الدخول الثابتة لن يصبحوا قادرين على الاستمرار فى الحياة إلا باللجوء إما إلى الجريمة وإما الرشوة. 
 
وقال هويدي إن الذين يرفضون السير فى ذلك الطريق، أمامهم خيار ثالث له سوقه التى أصبحت رائجة فى مصر (ثالث بلد فى العالم تباع فيه الأعضاء البشرية، بعد الصين وباكستان). حتى بات مألوفا أن تنشر الصحف المصرية أخبارا عن اكتشاف عصابات ومستشفيات ومراكز تقوم بتلك المهمة. أما الذين تسد فى وجوههم كل الأبواب، فإنهم يلجأون إلى الانتحار يأسا من الحياة، فى ظل العجز عن تلبية احتياجات المعيشة أو العجز عن سداد الديون. وبوسع أى باحث أن يرصد تواتر نشر تلك الحوادث فى الصحف المصرية بين الحين والآخر.
 
وأشار إلى الثامن من شهر فبراير الحالى حيث قام أهالى مدينة «القرين» بمحافظة الشرقية باعتراض طريق سيارة نقل تابعة لوزارة التموين، كانت محملة بكميات من السلع الأساسية فى مقدمتها السكر والزيت والأرز. وما إن توقفت السيارة حتى اقتحمها الأهالى وقاموا بنهب محتوياتها.
 
وأوضح أن الدلالة السياسية للحدث تداولتها مواقع التواصل الاجتماعى التى أعادت إلى الأذهان ذكرى أحداث ١٨ و١٩ يناير قبل أربعين عاما (عام ١٩٧٧) حين انفجر غضب الفقراء بعد رفع أسعار الخبز فخرجوا فى مظاهرات هاجمت بعض المحلات التجارية، وهتفت ضد الرئيس السادات وحكومته. ولايزال جيلنا الذى عاصر تلك الأحداث يذكر الهتافات التى كان منها: يا ساكنين القصور الفقرا عايشين فى القبور ــ سيد مرعى يا سيد بيه كيلو اللحمه بقى بجنيه ــ هو (السادات) يلبس آخر موضة واحنا بنسكن عشرة فى أوضة..إلخ.
 
وقال إن المجتمع المصرى إذا لم يكن فى حالة ثورة فهو على الأقل يمر بحالة القابلية للثورة، وهى ليست ثورة ضد النظام، ولكنها دفاع عن حق الناس فى العيش الكريم، وأحسب أن ذلك التحليل ليس غائبا عن السلطة، التى باتت تحظر وتتشدد فى منع وقمع أى تجمع بشرى فى الشارع المصرى. وإضافة إلى ما تكفل به قانون حظر التظاهر، فإن القرار الأخير الذى منع التظاهر فى محيط ٨٠٠ متر لجميع المنشآت الحيوية، بمثابة خطوة تقطع الطريق على أى تظاهر محتمل فى بر مصر، حتى إذا كان سلميا ويحميه الدستور.
 
وأكد هويدي حين يصبح السخط والشكوى على كل لسان، ويتواتر الحديث عن تراجع شعبية السيسى، فإن التوقف أمام ما يجرى يصبح واجبا، مشيرا لتصريح المتحدث باسم صندوق النقد الدولى الذى قال فيه إن انهيار الجنيه المصرى بالصورة التى وقعت تم بأسرع مما كان مقدرا. الأمر الذى يعنى أن الموضوع لم ينل حقه من الدراسة المسبقة. وثمة اتفاق بين أغلب الخبراء على أن اقتران التعويم برفع اسعار الوقود لم يكن إجراء حكيما، كما إن إنفاق الأموال الطائلة، على المشروعات العملاقة أسهم فى إضعاف قوة الجنيه المصرى وأدى إلى تبديد رصيد البلد من العملات الصعبة التى كان ينبغى أن تنفق على أوجه أكثر ضرورة وإلحاحا. كما أن زيادة دور القوات المسلحة فى المجال الاقتصادى حولها إلى بديل للقطاع العام حمل مسمى مختلفا. 
 
وأضاف أنه حين يصبح الاقتصاد فى أزمة. وتواجه السياسة أزمة مستحكمة جعلت مصطلح «موت السياسة» تعبيرا دارجا ومسلما به، فإن أفق المستقبل يصبح معتما ويفقد المجتمع أهم شروط التفاؤل بالحاضر أو المستقبل. وفى هذه الحالة لا يخفف من وطأة الإحباط المبالغة فى التخويف من الإرهاب أو استنفار المجتمع لمتابعة مباريات كرة القدم أو تكثيف برامج المنوعات التى تبثها قنوات التليفزيون أو التهليل الإعلامى الذى يملأ الفضاء بالضجيج.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق