دماء الشرفاء في رقبة (مفتي الديار)
بقلم: عامر شماخ
لا يزعجني في أحكام الإعدام المتتالية
الذين نطقوا بها، إنما يزعجني من صدّق عليها باسم الدين، وأعطاها شرعية
زائفة، مجترئا على الله ورسوله، وهو يدرك -تمام الإدراك- كذب ما يصل إليه
من حيثيات وتلفيقات، يفعل ذلك إما خوفًا أو طمعًا، وفي كلا الحالين لا
يستحق أن يقال عنه عالم ومفتٍ، بل هو مسعر حرب، مؤجج فتنة، يفتح الباب على
مصراعيه للنيل من الشرع وانتقاص الدين، وضياع البلاد والعباد.
وماذا لو رفض المفتي التصديق على هذه
الأحكام؟، وماذا لو قال إني بريء مما تفعلون؟ والله لن ينقص ذلك من رزقه أو
من أجله شيئًا، وسيبقي مرتفع الهامة ممتد القامة، بريئًا عند الله، عظيمًا
عند الناس، ولسوف يشار إليه بالبنان، اليوم.. وغدًا يقال: هذا أسد الله
وسيفه، نحر الظالمين بشجاعته، وكتب الحياة لأمته، وكان حجر عثرة أمام من
أرادوها تخلفًا ورجعية، لكنه أبى إلا أن يكون مطية لمن ليس له قدر، ووحل
نفسه، ومحال أن يسترد مقعده الذي أجلسه الله عليه إلا أن يتوب وإلا أن
يجاهد في رد المظالم، والجهر بالحق ولو كانت رقبته هي المقابل.
وإذا كان البعض يدافع بمنطق أن (الرجل)
يتعامل مع أوراق وليس له أن يفتي بغير ما فيها، أقول: وما الفرق إذًا بين
العلماء والجهال؟!، وأين اجتهاد العالم واستنباطه؟ وأين عقله ونور القرآن
الذي يحمله؟ هذا بافتراض أنه معزول عن الدنيا ولا يرى ما يجري في البلاد
منذ سنتين ويزيد، وهل من المعقول أن يتحدث الأطفال والسفهاء عن الشرعية
والانقلاب.. ومفتي الديار لا يعلم عن ذلك شيئًا؟!
لقد استبشرنا خيرًا عند اختيار هذا المفتي
بالانتخاب من قبل العلماء، وقلنا وقتها إن هذا سوف يكون عصيًّا على
الظالمين، ممتنعًا عن التردي في وحل السلاطين، وعقب وقوع الانقلاب أكد لنا
من نثق فيما يقول إن الرجل رفض أن يكون أداة في يد العسكر، وقد وجدوا له
بديلاً معروفًا بتهتكه وتفريطه، وقد سار هذا البديل في ركاب الانقلابيين
يحل ما يحلون.. ويحرم ما يحرمون.. ويفتي بما يملونه عليه من ظلم وفساد
واستبداد.. لكن سرعان ما ظهر من كنا نظن أنه قد حددت إقامته، وجاء بما جاء
به سابقه، فصار الرسمي أجرأ على الفتيا من المتهتك، فما من يوم يمر إلا وله
(فتوى!!) تعزز موقف الانقلابيين، وتحرض على أصحاب الشرعية، وقد أطلق
موظفيه هنا وهناك، في الإذاعات والقنوات، يفتون بلسان العسكر، ويكفرون
خصومهم، ويستحلون الدماء، ويكفرون الأولياء، وما يزالون يؤدون تلك المهمة
بإخلاص نادر، كأنهم لم يقرؤوا شيئًا من القرآن ولم يصل إلى أجوافهم شيء من
السنة.
إن كل دم يراق من هؤلاء الشرفاء، علي
المفتي كفل منه، ذلك أنه هو الذي أذن بذلك، ولم يتحر الحقيقة، وإنما صدق
السلطان الكاذب، وأطاعه فيما نهي الله عنه، فرقًا منه أو طمعًا فيما عنده،
والله شاهد لا يغيب، مطلع لا يفوته شيء، يحاسب علي الذر، في الخير والشر،
وهو تعالي لا يرضي لعباده الظلم، فما بالك إن كان هذا الظلم قد شارك فيه من
يقول قال الله وقال الرسول؟!، فالله يغضب غضبًا شديدًا؛ لأنه لا يستوي
الذين يعلمون والذين لا يعلمون؛ ولأن القتل بغير ذنب هو أقبح الآثام وأكبر
الكبائر، فما ظنك بمن يقتل أو يحرض على قتل أولياء الله الصالحين، الذين لم
يوضعوا في هذا الموضع إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد؟!
يا أيها المفتي.. ليس والله عيبًا أن
تتراجع عما فعلت.. وأن تتوب عما أذنبت، فالله واسع الفضل، عفو كريم يحب
العفو، إنما الجرم أن تتغافل وتنكر النصح وتثني عطفك كبرًا وغرورًا ظنًا
أنك علي الحق.. وأنك لا تنطق عن الهوى، بل الحقيقة أنك اتبعت هواك، وانحرفت
عن الطريق، وزلت قدماك كما زلت قدما من سبقك فصار أرجوحة في يد الجهال
والفساق والمفسدين.
وإني ما خاطبتك بهذا الأسلوب إلا حرصًا
على أن تجبر ما كسر، وتصلح ما فسد، وإن عودك إلي الحق أحب إليَّ الآن من أي
مغنم آخر، فإن في عودك نجاة لبلد دمرته فئة ظالمة، ولو أذن الله بدوام
حكمهم -لا سمح الله- لصرنا أثرًا بعد عين، بعد أن كنا مؤملين في أن يسابق
بلدنا كل البلاد، لولا حادث السطو الكبير الذي نعاني آثاره الكارثية منذ
أكثر من عشرين شهرًا حتى الآن.. نسأل الله السلامة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق