السبت، 4 أبريل 2015

خارج السياق بقلم: فجر عاطف صحصاح

خارج السياق
بقلم: فجر عاطف صحصاح
عندما كنت أجد منشورا معنونا بـ (خارج السياق) عادة لم أكن ألتفت إليه؛ فماذا عساه هذا الشيء الذي يمكنه أن يجذب انتباهنا أكثر مما نحن فيه، لماذا وكيف نلتفت بعيدا عن آهات أهالي الشهداء، وصرخات المكلومين خلف القضبان والسجون، كيف تقبل قلوبنا تَحمُل أن تكون لها حياة أخرى غير نصرة دينها ومعتقدها والزود عما يُحاك بالأمة من تآمرات...!!
في أحد الأيام وفي طريق كان ملؤه تلك الأفكار، شدّ انتباهي هذا الشيء الذي يمكنني القبول به كشيء #خارج_السياق.. فقد وصلّ إلي أذني أنين آخر ربما يوازي في الألم أنين أهالي الشهداء والمعقتلين، فقد أسرني مشهد شيخ كبير السن يعمل "عامل نظافة"، بدا ذلك من هيئته وملابسه.
....في قسمات وجهه اجتمعت كل هموم الوطن وأنات العوز وانحناءات المرض، بدا شيخا محتاجا كبيرا، تقهره الحاجة، وتأسره لدي الآخرين بما لها من مذلة وخضوع..
شريك الشيخ في المشهد رجل يبدو أنه من أصحاب الأعمال؛ كان يمسك هذا الشيخ من ملابسه ويكيل له الكلام الموبخ الموجع، يمسك به مصرا علي أن يسلمه للشرطة..!
للوهلة الأولي ربما يظن المار أن هذا الشيخ ربما قد سرق الرجل أو تطاول عليه، ولكن نظرة واحدة للمذلة والخضوع الباديين علي وجه الشيخ لنتأكد أنه يبدو أبسط وأضعف من تلك الأفعال..
لم أمنع أذنيّ أن تلتفت لتلك المشاحنة التي كبرت واستطردّ فيها الحديث حتي علا الضجيج، وهنا أفقت علي كلمات الرجل بصوت جهوري مرتفع صارخ:"لابد أن أحرر لك محضر تسول"...!!
يا الله...!! أهذا كل ما في الأمر، أهذه المشاحنة وهذا الضجيج الشديد لما بدر من الشيخ من التلميح بطلب القليل من المال منك، ألم تفصح لك وجنتيه عن قهر رجل باكٍ مُحتاج، ألم تشي لك عظامه البادية عن جسد لا يتناول الطعام إلا لماما..!
ومع ذلك وإن كنت-أيها الرجل صاحب الأعمال- من أنصار "عدم التسول" فاتركه يرحل ولا تبالي، أغمض عينيك عن حاجته، وتنفس هواء سيجارتك بعيدا عن شحوب وهنه المُكدِر..!
ولكن لماذا تؤثر فضحه، لماذا تطاوعك نفسك أن تصرّ علي تحرير محضر تسول له، هل أقفرت البلاد وتطهرت من الفاسدين واللصوص وعتاة الإجرام؛ حتي لا تقع إيجابيتك إلا علي هذا المسكين..؟!
الحق أني بالطبع لست من دعاة التسول كما قد يظن البعض، ولكنها نظرة للشيخ وهو يتوسل للرجل أن يصفح عنه، قد زاحمت دموع #السياق لتفتلت منه وتسيل #خارج_السياق، كنت أرقب الشيخ عندما بدأ المارة يلتفون وكأنه يناجي الرجل بصوت ضعيف غير ظاهر أن يتركه يرحل ويسماحه علي تجرؤه..!
لقهر الرجال مراراة، وللقلب أحيانا أن يقف مأخوذا دون تعليل لملامح الحاجة ومذلة الفقر، ليفرق بينها وبين من يحترفون التسول عن حرفة ومهارة، لم تكن في الشيخ الضعيف ملامح هذا الخبث أو المكر، بل كل ما بدا لي أنه يريد الفرار من الفضيحة أمام المارة، ومن تحرير المحضر الذي لربما يودي به في قعر السجون لأنه يطلب ما يسد أوده أو أود من يعول...
المؤسف أن القصة لم تنتهي إلي هذا الحد، بل كان فيها مرارات أخري، فقد توافد جمع من الناس ظننتهم يخلصون الشيخ ويتوسطون للصفح عنه، إلا أنهم تنادوا فيما بينهم :"نعم سلموه للشرطة، لابد أن نتخلص من هؤلاء..."...كدت لا أصدق أن في القلوب قسوة كتلك، لقد تنادي الناس بعقاب الرجل قبل حتي أن يصلوا لمكان الجريمة..!! حكموا عليه وهبوا للإحاطة به وهو الضعيف المحتاج الذليل...!
عاد دمع عيني يجري ..وكأنه يقول أن ما هو #خارج_السياق هو شديد الالتصاق به، فما أراد الانقلاب بالشعب إلا تلك القسوة وهذا التكالب علي الضعفاء والمحتاجين، وما زاد الانقلاب في المجتمع إلا في أعداد الأيدي الممتدة الجائعة...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق