الخميس، 20 يوليو، 2017

مَنْ الذي فتح الأقصى؟ بقلم: وائل قنديل

مَنْ الذي فتح الأقصى؟

 

بقلم: وائل قنديل

الثابت والمؤكد الآن أن مفاتيح المسجد الأقصى المبارك بيد إسرائيل، وحدها تحدّد متى يفتح ومتى يغلق، وحدها تقرّر متى يرفع فيها الأذان، ومتى يسكت، وحدهم الصهاينة يسمحون للمسلمين بدخول أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، ووحدهم يمنعون.

تلك هي الحقيقة الوحيدة، وذلك هو الواقع الجديد الذي نجح في فرضه الاحتلال الصهيوني، عن طريق عملية الإغلاق الكامل، والتي لم تحدث منذ العام 1969.

الجديد هذه المرة أن ذلك كله تم في غياب تام لرد فعل عربي رسمي، يدفع الصهاينة إلى التراجع، أو تخفيف قبضة الحصار المفروض على المسجد، إذ التزم الرسميون العرب الصمت حيال قرار الغلق والمنع، حتى لوّح المرابطون بانتفاضةٍ جديدة، ورفضوا الانصياع لإرادة فرض البوابات الإلكترونية، واحتشدوا على الأبواب، رافضين الإذعان لصهينة قبلة المسلمين، فجاءت خطوة الفتح الجزئي.

هنا فقط، وكالعادة، سارع الرسميون العرب لخطف الثمرة، كلٌّ يدّعي أنه فتح الأقصى، وينسب لنفسه ما لا يدعو إلى فخر، بل يثير الأسى والرثاء، على فرض أنهم تدخلوا واتصلوا واستسمحوا العدو في أن يوسع صدره، ويحفظ لهم ماء الوجوه أمام شعوبٍ تغلي صدورها بالغضب، لكن أحداً لا يسمح لها بالفعل.

تقول الصحافة الصهيونية إن ملك السعودية توسّط للسماح بفتح جزئي للأقصى، وتردّد منصات الهلوسة السيسية في مصر أن تدخل القاهرة هو الذي فتح المسجد.

وبصرف النظر عمن توسط أو استجدى تل أبيب، فإننا في المحصلة بصدد حالة من الإذعان الرسمي للمنطق الإسرائيلي: الأقصى شأن داخلي صهيوني، فمن أراد شيئاً عليه طرق أبواب تل أبيب، مباشرة، من دون التوقف "ترانزيت" عند البيت الأبيض، الذي يجلس فيه من هو أكثر تحمساً لتهويد القدس من الصهاينة أنفسهم، لتتحوّل بوابات المسجد إلى ممرات إضافية للتطبيع الدافئ.

هل كان ذلك هو الهدف النهائي لعملية الغلق، ثم الفتح الجزئي؟ هذا هو الأرجح، فتحصل على إقرار رسمي عربي بأنها صاحبة التصرف في الموضوع.

شئ من ذلك وقع في العام 2010 عندما اعتدت إسرائيل على أسطول الحرية المتجه إلى كسر الحصار على الفلسطينيين، وإنهاء خنقهم عبر إغلاق المعابر البرية بشكل كامل، فاشتعل الشارع العربي بالغضب، ولاحت انتفاضةٌ جديدة، أجبرت الصهاينة على فتحها جزئياً، ليخرج إعلام حسني مبارك مدّعياً أن"الرئيس فتح المعبر"، حتى جاء الخبر من CNN يقول "إسرائيل ومصر تتحرّكان لتخفيف حصار غزة" وهو ما يعنى أن فتح المعبر لم يكن قرارا مصريا خالصا، بل بالتوافق والتشارك مع إسرائيل.. ويشيد بعدها السفير الصهيوني بالقاهرة بما اعتبره "رد الفعل المصرى المعتدل والعلاقات الجيدة بين البلدين"، معلناً أن مصر تفهم تماما أنه كان هناك استفزاز من منظمي أسطول الحرية".

الآن بعد سبع سنوات، هل تختلف مزاعم التفرد بفتح الأقصى عن ادعاءات فتح المعبر؟

الحاصل أن إسرائيل باتت واثقةً من أن عرب ترامب لا يتساهلون أبداً في فرض الحصار على الشقيقة قطر، لكنهم متساهلون وطيعون للغاية في حصار الأقصى، وخنق غزة، بحيث باتت تستطيع الآن أن تحتفل بانتقال الفعل الرسمي العربي نحوها من مرحلة الهرولة إلى الاستجداء والتسول، تلك المرحلة التي قص شريط افتتاحها ولي العهد البحريني في خريف العام 2009 بمقال في صحيفة واشنطن بوست الأميركية، جاء فيه نصاً "نحن العرب لم نفعل ما فيه الكفاية للتواصل مباشرة مع الشعب الإسرائيلى".

كان ذلك بمثابة الافتتاح لمرحلة حرق المراحل ــ كما يشعل الصغار النار فى أكوام القش ــ إذ يقفز من مرحلة التطبيع مباشرة إلى مرحلة الانسحاق التام أمام العدو الصهيونى، وبدلا من أن يفعل مثل أهل التطبيع، ويقول إنه بالإمكان القبول بالعدو في مقابل أجزاء مما اغتصبه من أراض عربية، ها هو يقبل أقدامهم لكى يقبلوا بنا إلى جوارهم.

ومنذ ذلك الوقت، بدأ الزحف التطبيعي يصل إلى مناطق لم يكن أحد يتخيل الوصول إليها، فبدأت أقدامٌ سعودية تعرف طريقها إلى إسرائيل، إياد مدني وأنور عشقي، وما خفي من خطوات، ثم جاءت صفقة القرن بما تتضمنه من سيناريوهاتٍ كابوسية، وصفقاتٍ تتعلق بترتيبات بيوت الحكم في العواصم التي كانت تباهي بالتحدّي والصمود أمام شلالات التطبيع الإجباري.

----------

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق