في رثاء «مدرسة الدبلوماسية المصرية»
السبت، 21 فبراير2015
في رثاء «مدرسة الدبلوماسية المصرية»
السياسة الخارجية المصرية فقدت تأثيرها عندما فقدت مصر قوتها الناعمة.
الدبلوماسية بحكم التعريف « قوة ناعمة» ونقيضها « القوة الخشنة» التي تجد
أبرز تجلياتها فى العمل العسكري المسلح. العمل الدبلوماسي هو» فن تحقيق
أهداف الدولة دون قتال».
يوم الأربعاء 18 فبراير 2015 كان يوما مشهودا في تاريخ الدبلوماسية المصرية بعد فشلها فى تمرير قرار من مجلس الأمن وفقا للبند السابع يطالب بالتدخل الدولي فى ليبيا واحتلالها عسكريا، وهومشهود أيضا بعد أن فقد دبلوماسيون مصريون أعصابهم فوزعوا الاتهامات»الرسمية» هنا وهناك!
أدهشني كمواطن مصري أن تطالب حكومة « أكبر دولة عربية» بالتدخل العسكري المباشر من دول كبرى لاحتلال دولة عربية شقيقة تجاورها بحدود برية تصل لأكثر من ألف كيلو متر!
كيف لدولة مثل مصر أن تدعو العالم لاحتلال دولة شقيقة تمثل عمقها الاستراتيجي؟! هل يمكن لشخص مسئول يعرف أبجديات السياسة والجغرافيا والتاريخ أن يطلق مثل هذه الدعوة؟!!
ومن أسف أن الدعوة جاءت على لسان أكبر «مسئول» فى مصر(عبد الفتاح السيسي) الذي وقف بنفسه ليطالب المجتمع الدولي بالتدخل العسكري في ليبيا في غمرة انفعال وحماس لا يليق بـ»مسئول»، ردا علي شريط فيديو غير موثوق المصدر يزعم قتل 21 مصريا مسيحيا على يد من زعموا أنهم ينتمون لتنظيم الدولة الاسلامية فى ليبيا، في استباق واضح لأية تحقيقات جدية ودون روية أو تمهل أو تدقيق فى الأمر، ودون حسابات للمكاسب والخسائر الجيو- سياسية لمثل تلك القرارات الانفعالية غير المدروسة.
الغوغاء تنادي بالثأر للشهداء، وأبواق الدعاية الموجهة تصرخ علي الشاشات وعبرالميكروفونات، ولا يملك « الزعيم» حامي حمى مصر سوى الاستجابة لنداءات «شعبه»!!
هكذا تم تصوير الأمر، وانبرى «الدكر» ليثبت قوته ورباطة جأشه أمام جماهيره فأطلق طائراته لتقصف منازل مدنيين عزل في « درنة» ويسقط أبرياء ضحية انفعال غير مدروس وتصرف «غير مسئول». والدليل أن أمريكا - بجلالة قدرها وقوة جيشها- عندما قتل سفيرها فى ليبيا وتم سحل جثته لم تنفعل مثلما انفعل قائد مصر الهمام.
طبيعي أن يحدث رد الفعل من واشنطن مختلفا عن رد فعل القاهرة. ففي مصر نظام انقلابي استبدادي فاشي،لكن السؤال هنا: أين المستشارون السياسيون لهذه السلطة الانقلابية الحمقاء؟! أين وزارة الخارجية؟! أين مدرسة الدبلوماسية المصرية التي استقال وزيران للخارجية من أعلام تلك المدرسة اعتراضا على قرارات غير مدروسة اتخذها السادات خلال مفاوضات المعاهدة المصرية-الاسرائيلية في الفترة من 1977 وحتى 1979 ؟!
أين حكمة السياسيين»المسؤولين» التي مكنت الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من تحرير 89 دبلوماسيا في العراق اختطفهم تنظيم الدولة من القنصلية التركية بعد سقوط الموصل فى يد التنظيم يوم 9 يونيو 2014؟!
أين حكمة السياسيين «المسئولين» التي مكنت الرئيس الشرعي محمد مرسي من تحرير الجنود الرهائن المختطفين فى سيناء، ليواجه بعدها انتقادات لاذعة لمجرد انه دعا القتلة المتربصين فى الأجهزة الأمنية المصرية للحفاظ على أرواح»الخاطفين والمخطوفين»..هذا هو الفارق بين حكمة السياسي «المسئول»، وإندفاع الجنرال «الأحمق».
المشكلة هنا ليست فى الحماقة « التي أعيت من يداويها»، لكن المشكلة فيمن يقدم المشورة السياسية لهذا «المسؤول» الذي يفترض فيه أن يكون كبيرا وحكيما. أين مستشارو السياسة الخارجية المصرية؟!
أين وزراء خارجية مصر العظام؟!! أين مدرسة الدبلوماسية المصرية؟!
وفي سقطة دبلوماسية جديدة ، بعد مرور نحو 3 قرون على إنشاء التمثيل الدبلوماسي المصري وقرابة القرن على تأسيس وزارة الخارجية المصرية، وقف مندوب مصر لدى الجامعة العربية ليتهم دولة عربية شقيقة برعاية الارهاب، فقط لأنها تحفظت على أحد مقررات الجامعة بشأن العدوان على دولة عربية أخري شقيقة، وهو تصريح غير مسؤول صدر بالفعل عن دبلوماسي موتور لا يفهم الفارق بين الخلاف السياسي والاختلاف فى وجهات النظر فى العمل السياسي. وشتان الفارق بين الاثنين.
هذه الإخفاقات المتتالية سببها الأساسي وصول البعض إلى أعلى درجات العمل الدبلوماسي ممن انخرطوا فيه عبر أساليب الواسطة والرشوة والمحسوبية، في الوقت الذى يتم فيه بشكل ممنهج ومنظم استبعاد الكفاءات الوطنية التي تعرف الحد الفاصل بين الدبلوماسية الهادئة العاقلة من ناحية، و»التهريج» فى سيرك سياسي منصوب علي مساحة الوطن من ناحية أخرى.
العجيب أن السلطة الانقلابية تريد أن تأخذ السيرك معها فى كل مكان سواء فى الجامعة العربية أو فى الأمم المتحدة وأخيرا فى مجلس الأمن.
سلطة الانقلاب أصبحت مثل فرقة السيرك المتجول لديها ممثلون وحواة ومهرج وساحر وفاتنات للعرض ومقدمو برامج وغيرهم. الفارق الوحيد أن فرقة السيرك الحقيقية تعلم أن وظيفتها هي الإمتاع والترفيه عن جمهور النظارة، بينما فرقة سيرك «تحيا مصر» لصاحبها عبد الفتاح السيسي تتصور أن لديها رسالة مقدسة لإنقاذ الوطن من « أشرار يريدون تدميره»، وهم في سبيل مواجهة هؤلاء «الأعداء»يحيكون مؤامرات ودسائس ويلعبون على أحبال السياسة وربما لا يدركون أنهم لا يقنعون أحدا بتلك العروض الهزيلة المبتذلة، بل أحيانا يكون جميع من حولهم- حتى أقرب حلفائهم- يسخرون من حركاتهم المكشوفة وألاعيبهم المفضوحة.
• Sharkawi.ahmed@gmail.com
يوم الأربعاء 18 فبراير 2015 كان يوما مشهودا في تاريخ الدبلوماسية المصرية بعد فشلها فى تمرير قرار من مجلس الأمن وفقا للبند السابع يطالب بالتدخل الدولي فى ليبيا واحتلالها عسكريا، وهومشهود أيضا بعد أن فقد دبلوماسيون مصريون أعصابهم فوزعوا الاتهامات»الرسمية» هنا وهناك!
أدهشني كمواطن مصري أن تطالب حكومة « أكبر دولة عربية» بالتدخل العسكري المباشر من دول كبرى لاحتلال دولة عربية شقيقة تجاورها بحدود برية تصل لأكثر من ألف كيلو متر!
كيف لدولة مثل مصر أن تدعو العالم لاحتلال دولة شقيقة تمثل عمقها الاستراتيجي؟! هل يمكن لشخص مسئول يعرف أبجديات السياسة والجغرافيا والتاريخ أن يطلق مثل هذه الدعوة؟!!
ومن أسف أن الدعوة جاءت على لسان أكبر «مسئول» فى مصر(عبد الفتاح السيسي) الذي وقف بنفسه ليطالب المجتمع الدولي بالتدخل العسكري في ليبيا في غمرة انفعال وحماس لا يليق بـ»مسئول»، ردا علي شريط فيديو غير موثوق المصدر يزعم قتل 21 مصريا مسيحيا على يد من زعموا أنهم ينتمون لتنظيم الدولة الاسلامية فى ليبيا، في استباق واضح لأية تحقيقات جدية ودون روية أو تمهل أو تدقيق فى الأمر، ودون حسابات للمكاسب والخسائر الجيو- سياسية لمثل تلك القرارات الانفعالية غير المدروسة.
الغوغاء تنادي بالثأر للشهداء، وأبواق الدعاية الموجهة تصرخ علي الشاشات وعبرالميكروفونات، ولا يملك « الزعيم» حامي حمى مصر سوى الاستجابة لنداءات «شعبه»!!
هكذا تم تصوير الأمر، وانبرى «الدكر» ليثبت قوته ورباطة جأشه أمام جماهيره فأطلق طائراته لتقصف منازل مدنيين عزل في « درنة» ويسقط أبرياء ضحية انفعال غير مدروس وتصرف «غير مسئول». والدليل أن أمريكا - بجلالة قدرها وقوة جيشها- عندما قتل سفيرها فى ليبيا وتم سحل جثته لم تنفعل مثلما انفعل قائد مصر الهمام.
طبيعي أن يحدث رد الفعل من واشنطن مختلفا عن رد فعل القاهرة. ففي مصر نظام انقلابي استبدادي فاشي،لكن السؤال هنا: أين المستشارون السياسيون لهذه السلطة الانقلابية الحمقاء؟! أين وزارة الخارجية؟! أين مدرسة الدبلوماسية المصرية التي استقال وزيران للخارجية من أعلام تلك المدرسة اعتراضا على قرارات غير مدروسة اتخذها السادات خلال مفاوضات المعاهدة المصرية-الاسرائيلية في الفترة من 1977 وحتى 1979 ؟!
أين حكمة السياسيين»المسؤولين» التي مكنت الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من تحرير 89 دبلوماسيا في العراق اختطفهم تنظيم الدولة من القنصلية التركية بعد سقوط الموصل فى يد التنظيم يوم 9 يونيو 2014؟!
أين حكمة السياسيين «المسئولين» التي مكنت الرئيس الشرعي محمد مرسي من تحرير الجنود الرهائن المختطفين فى سيناء، ليواجه بعدها انتقادات لاذعة لمجرد انه دعا القتلة المتربصين فى الأجهزة الأمنية المصرية للحفاظ على أرواح»الخاطفين والمخطوفين»..هذا هو الفارق بين حكمة السياسي «المسئول»، وإندفاع الجنرال «الأحمق».
المشكلة هنا ليست فى الحماقة « التي أعيت من يداويها»، لكن المشكلة فيمن يقدم المشورة السياسية لهذا «المسؤول» الذي يفترض فيه أن يكون كبيرا وحكيما. أين مستشارو السياسة الخارجية المصرية؟!
أين وزراء خارجية مصر العظام؟!! أين مدرسة الدبلوماسية المصرية؟!
وفي سقطة دبلوماسية جديدة ، بعد مرور نحو 3 قرون على إنشاء التمثيل الدبلوماسي المصري وقرابة القرن على تأسيس وزارة الخارجية المصرية، وقف مندوب مصر لدى الجامعة العربية ليتهم دولة عربية شقيقة برعاية الارهاب، فقط لأنها تحفظت على أحد مقررات الجامعة بشأن العدوان على دولة عربية أخري شقيقة، وهو تصريح غير مسؤول صدر بالفعل عن دبلوماسي موتور لا يفهم الفارق بين الخلاف السياسي والاختلاف فى وجهات النظر فى العمل السياسي. وشتان الفارق بين الاثنين.
هذه الإخفاقات المتتالية سببها الأساسي وصول البعض إلى أعلى درجات العمل الدبلوماسي ممن انخرطوا فيه عبر أساليب الواسطة والرشوة والمحسوبية، في الوقت الذى يتم فيه بشكل ممنهج ومنظم استبعاد الكفاءات الوطنية التي تعرف الحد الفاصل بين الدبلوماسية الهادئة العاقلة من ناحية، و»التهريج» فى سيرك سياسي منصوب علي مساحة الوطن من ناحية أخرى.
العجيب أن السلطة الانقلابية تريد أن تأخذ السيرك معها فى كل مكان سواء فى الجامعة العربية أو فى الأمم المتحدة وأخيرا فى مجلس الأمن.
سلطة الانقلاب أصبحت مثل فرقة السيرك المتجول لديها ممثلون وحواة ومهرج وساحر وفاتنات للعرض ومقدمو برامج وغيرهم. الفارق الوحيد أن فرقة السيرك الحقيقية تعلم أن وظيفتها هي الإمتاع والترفيه عن جمهور النظارة، بينما فرقة سيرك «تحيا مصر» لصاحبها عبد الفتاح السيسي تتصور أن لديها رسالة مقدسة لإنقاذ الوطن من « أشرار يريدون تدميره»، وهم في سبيل مواجهة هؤلاء «الأعداء»يحيكون مؤامرات ودسائس ويلعبون على أحبال السياسة وربما لا يدركون أنهم لا يقنعون أحدا بتلك العروض الهزيلة المبتذلة، بل أحيانا يكون جميع من حولهم- حتى أقرب حلفائهم- يسخرون من حركاتهم المكشوفة وألاعيبهم المفضوحة.
• Sharkawi.ahmed@gmail.com
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق