الثلاثاء، 25 أبريل، 2017

"أم عمرو.." بقلم: فجر عاطف


"أم عمرو.."


بقلم: فجر عاطف

ظلّت "أم عمرو" ممسكة بالهاتف لا تريده أن يبرح موقعه من أذنها؛ فقد جاءها عبره الخبر الذي طالما حلمت به وانتظرته طوال أربع سنوات؛ خشيت أن يكون مجرد حلم يقظة حلو سرعان ما سيفارقها مثلما كان حالها كثيرا في تلك السنوات، ولكن ها هو الدليل مازال في يدها وبالقرب من أذنيها يؤكد لها أن "عمروا" على قيد الحياة وأنها ستسمع عنه ما يسرها خلال الساعات القادمة..

انطلقت "أم عمرو" لتستقل أول سيارة أجرة قابلتها؛ لا تعرف كيف اجتازت الطريق سريعا وكيف تحاملت على آهات جسدها المنهك لتخطر كما الفراشة الطلقة وكأنها تغرد في سرب طير حر يتغني في الصحو؛ وليست سيدة مريضة تتفادى الحواجز وسط زحام القاهرة وما بها من ملمات..!
*****

ما أن وطأت قدماها السيارة حتى بدأ شريط الفاجعة كله.. برمته يمر أمام خاطرها يزاحم ما ينهمر من قطر عينيها ويغالبهما مُصرا على أن وقت البكاء قد رحل؛ فمنذ أن اختطفت قوات الانقلاب عمروا إثر إحدى التظاهرات السلمية وأمه تخرج تبحث عنه كل يوم؛ تتبع كل خيط يمكنه أن يصل بها إليه، كان أقصي أمانيها طيلة الأعوام الفائتة أن تطمئن إلى وجوده وأن قلبه ما زال إلى جوارها ينبض في الحياة..

تعثرت السيارة واضطرت إلى الوقوف؛ انتبهت "أم عمرو".. فإذا الطريق مكتظا بفرق وقوات فض الشغب يطوقون تظاهرة يعلو صوت من فيها ويرفضون بيع الأرض والوطن..!

انتحى السائق طريقا جانبيا هربا من الزحام.. وأخذ يطوي الأرض طيا كما ألّحت عليه الراكبة، ولأن الطريق كان لا يزال طويلا فقد وجدت "أم عمرو" نفسها مضطرة إلى الاستسلام لحديث نفسها الداخلي؛ فهاجس مؤرق يصدر من أغوار نفسها البعيدة يُلح عليها ليسائلها بقوة، وهل "عمرو" بالفعل حقيقة أم خيال؟ أكان بالفعل هناك فتى مثله هو زهرة بين أخوته يقظ الفكر مهذب الوجدان؟ هل عاصرنا حقا شابا تذوب ذاته عطاء وبذلا للجميع دون أن يلحظ أنه قدم شيئا أو أن له حظ نفس أيضا؟ لا بد أن يذكره ويحرص عليه، فتي يعرف الدمع طريقه إلى عينيه حزنا على أنات غيره، غافلا عما لنفسه من موطن ألم أو شقاء.. يرى القليل في يديه كثيرا، ويبصر الخير في قلوب الآخريين حتى وإن لم ينتبهوا هم له.. يبحث عن موطن العمل ليبادر إليه، لا ينتظر تكليفا أو وازعا من أحد.

كان "عمرو" بشبابه هو المستقبل وهو الأمل، وكان بمشاعره ووجدانه الحي طاقة حب ورقة يذوب معها صخر القسوة ومرارة الظلم، كان ببذله وسعيه ساعدا للإعمار والزرع حتي يحين وقت الحصاد، وكان بعطائه للآخريين يدا تتشابك وتلتف عندها بقية الأيدي حتي يكتمل بهم غرس الوطن ووحدة الشعب..!!

انحسرت السيارة سريعا.. فاندفعت رأس "أم عمرو" لترتطم بالكرسي الأمامي رغما عنها، انتبهت من حديث نفسها فإذا بالتظاهرات ما زالت مستمرة ومتدافعة من حولها في حين تعاظمت القوات وتراصت وكأنها تتأهب لحربها مع العدو..!
اضطر السائق إلى أن يظل واقفا في مكانه بعد أن أغلقوا الشوارع والميادين فتوقفت حركة السير، تركت "أم عمرو" السيارة بل فشلت في استقلال أي سيارة أخرى، في حين ظل الأمل يداعب خيالها بأن لابنها مكانا في الحياة، رفضت فكرة أن يكون "عمرو" مجرد حلم، بل هو حقيقة كانت وما تزال تبحث عنها، فقد عاصرته ورأته بعينيها بل مثلت له هي مهده الأول وبين يديها تغذي وارتوي وقد آن له يزهر وينبت ويفيض عليها حنانا وريا.
*****

تركت "أم عمرو" الحافلات وزحامها، وانطلقت متحاملة علي أي ألم بها، كانت تعدو وهي لا تتصور أن يغيب عنها لقاء "عصام" صديق ابنها ونديم عمره، فقد اختطفتهما قوات الانقلاب سويا، وها هو اليوم قد حادثها منذ قليل وأخبرها أنه يريد مقابلتها ليخبرها عما يعرفه عن "عمرو"، موعد كهذا لا بد أن تذهب له ولو حبوا، بل حري بها أن تطير محلقة لتلتقي من يثلج صدرها ويطفيء سعير قلبها المشتعل منذ سنوات.

كانت قوات الانقلاب أسرع منها دوما إلي أي شارع أو ميدان تريد أن تعبر منه، ولكنها ظلت تراوغ وتراوغ، وكلما أنهت شارعا وظنت نفسها قد وصلت فاجأتها القوات علي رأس الشارع متراصة تمنع حركة المرور منه أو إليه، ولكن "أم عمرو" مع ذلك استمرت في الركض، كان صوت مهاتفة "عصام" حاديا لها لئلا تشعر بالضجر وألا تقنط في سبيل الوصول..
*****

وها هو مكان اللقاء قد اقترب، دقائق معدودة فقط وتري "عصام" وتحادثه وتسأله عن كل ما يجيش في صدرها، وبشكل بدا مربكا ابتسمت بشده دون علة بادية، فقد باغتتها سعادة جمة عندما تذكرت عودة "عصام" نفسه، فهو مثل ابنها وغلاوته علي قلبها لا تقل عنه، ويكفي اليوم فرحة أهله وذويه وقرار قلب أمه بعد الغياب، أنستها وحشة الطريق أن تتذكر هذا الخاطر سوي الآن، بل ذهلت حتى عن أن تبارك لـ"عصام" على حريته، ولكنها ستفعل حتما الآن عندما تلقاه، ولن تحدثه حتى تطمئن منه أن زار أهله وأقر عيونهم برؤيته.

وعلى بعد أمتار من مكان لقائها بصديق ولدها، كانت قوات الانقلاب تشدد الحصار خاصة بعد أن رفض الشباب العودة وأصروا على تحقيق مطالبهم، وهنا بدأت القوات في إطلاق الرصاص باتجاه التظاهرات.

انخلع قلب "أم عمرو" فقد كانت ترى ابنها في كافة هؤلاء الشباب المتظاهر والذي لم يغب عن ناظريها طيلة تلك السنوات سوى لأنه كان مثلهم ينادي بالحرية للأرض والإنسان.

فتحت ناظريها بقوة وكأنها تريد لحدقتها أن تتسع لتستقبل هول ما تراه، فالحقيقة أن صوت الرصاصة التي أفزعتها كان قد أصاب بالفعل و استقر في قلب "عصام" والذي كانت تستحث الخطا لتلقاه على عجل..!!

فمن خلف الجنود المتراصة تقطع الطريق، وقف على جانب الرصيف المقابل شاب عشريني تعرفه جيدا، وتتذكر كل ملامحه الغضة الطيبة منذ أن ودعها هو و"عمرو" منذ أربع سنوات ليشاركا في تظاهرة مثل تلك التي تحدث اليوم، وكأن اليوم هو السابق نفسه وكأن السنوات لم تمر إلا على ما كان فيها من حرقة في القلب وأنين في الحشا..

نادها "عصام" وجسده الشاب يسقط علي الأرض مُضَرَّجٌا بدمائه؛ صرخ عليها بأعلي صوته "أمـــــــــيي..."...هكذا نادها بما تبقى فيه من قوة،  ومن خلف الجنود المدججة أمامه أصر على أن يقول لها: "عمرو ..حي"، "عمرو.. هناك على الأرض السليبة".. كانت الجراح أقوى منه، فلم يستطع أن يتحامل على نفسه أكثر من هذا، ارتطم جسده بالأرض ودماؤه الزكية تندفع من قلبه منهمرة تصنع حوله جدولا مترنما نحو القمة..!
*****

عادت "أم عمرو" بوجه لا تستطيع أن تحدد كنهه، فهو يبكي كالضحك، ويضحك كالبكاء، فها هو نديم ابنها يرتقي بعد سنوات من شبابه أمضاها في الأسر بلا جريرة، فهل عرفت أمه بعودته؟ وهل تمتلك هي الآن القوة لتخبرها بما كان..؟!!
ولكن "أم عمرو" كانت ورغم كل شيء مفعمة بالأمل، عامرا قلبها باليقين والبشارة؛ فقد أعلن لها "عصام" وعلى الملأ أن "عمرو" حي، أعلن أن الحلم حقيقة، وأن الإنسان بما في قلبه من بذرة الخير النضرة النبيلة ما زال هناك أسيرا لدى من يحتجزون المعني ليصير سرابا يخلد في الحلم به ضعفاء البشر، يرفضون إطلاق سراحه حتى لا تتحقق دعوته على الأرض فتنتشر، وتتحرك قيمه فيولد من رحمها آلاف البشر.

ومن وسط دمعاتها، اندفعت وسط الآلاف ممن حملوا جثمان "عصام" حولها في التظاهرة، طوقها الشباب لحمايتها وأصروا جميعا على ألا يعودوا حتى تحرر الأرض، فيعود "عمرو" والوطن..!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق