مجدي أحمد حسين : عبادة أمريكا هي الشرك المعاصر
أي مطالع للقرآن الكريم، سيكتشف ببساطة أن قضية الكفر والإيمان، هي موضوع هذا الكتاب المنزل من عنده - تعالى- ، وكل ما ورد فيه من معان، وقصص، وشرائع، وأحكام، هي تفرعات من هذه القضية الأصلية .
وفي السنوات الأخيرة، شنت القوى العلمانية اللادينية التي تهيمن على البلاد، وفي إطار السيطرة الغربية؛ شنت حملة شعواء على فكرة الكفر والتكفير؛ فأخذ الإسلاميون موقفًا دفاعيًّا، فكفوا عن الحديث عن "الكفر"؛ ليثبتوا أنهم عصريون ومستنيرون!! ونسوا أن إسقاط قضية الكفر من الخطاب؛ سيؤدي بالضرورة إلى إسقاط قضية الإيمان؛ لأن المسألتين متلازمتين، كـ: الليل، والنهار؛ الخير والشر، ... إلخ، فأصبح خطاب التيار الإسلامي مائعًا، سياسيًّا تقليديًّا، لا يفرق بينهم وبين باقي الأحزاب العلمانية؛ وكان هذا هو سبب ظهور تيارات متطرفة، كرد فعل لهذه المهزلة تغالي في مسألة التكفير. في حين أن الموقف الوسط، هو الموقف الإسلامي الصحيح.
ومن الملاحظات المهمة، أن مصطلح "تكفير" غير موجود في القرآن الكريم.
الإسلام لا يسعى لتكفير أحد، ولكن الكفار، هم الذين يفصحون عن أنفسهم بالأقوال والأفعال، وكذلك المشركون، وهؤلاء هم الذين يتصدى لهم المسلمون بالمواجهة الفكرية، ثم بالدفاع المسلح إذا اعتدوا على المؤمنين، وهذا ما نعنيه بالموقف الوسط، أن نواجه فكر معسكر الكفر بالفكر، وأن نسمي الأشياء بأسمائها الحقيقية دون خوف أو وجل، سواء على المستوى الوطني، أو الإقليمي، أو العالمي.
لقد أهدانا الله -سبحانه وتعالى- المنهج من خلال القرآن الكريم، بل وحذرنا في أكثر من موضع بالقرآن الكريم مما نسميه اليوم (تكفير)، أي الاستسهال في اتهام الناس بالكفر، كما ورد مثلاً في سورة النساء (94): (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَىٰ إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ ۚ كَذَٰلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا).
أهدانا الله المنهج، وأمرنا أن نعمل عقولنا التي تميزنا عن كثير من المخلوقات، فالقرآن دليل وإرشاد؛ لتستخدمه عقولنا، لا لإلغاء العقول!! ففي كل عصر لابد للمسلمين أن يحددوا أعداءهم، أئمة الكفر، الطاغوت الأكبر الذي يتعين مواجهته.. وهذه مسألة من الوضوح بمكان لا تحتاج لكهنوت، أو لاجتهاد كبار العلماء، وهي مسئولية كل مؤمن لا يمكن أن يتهرب منها، بمعنى أنه إذا زاغ العلماء في عصور الانحطاط؛ فإن الأمة لا تسير وراءهم؛ لأن (الحق أبلج والباطل لجلج).
ونحن لدينا أزمة علماء، فهل نضيع الدين بسبب ذلك؟!، في عهد مبارك في عقده الأخير، لم يوجد إسلاميون يطالبون بإسقاط حكمه؛ لأنه حكم غير شرعي، إلا نحن وجبهة علماء الأزهر، وأرجو أن نعرف رأي العلماء الأجلاء في هذه الدراسة بعد اطلاعهم عليها.
لقد ضاع الدين المسيحي؛ عندما أصبح رهينة رجال دين لا يسمحون لأي أحد من الرعية أن يشاركهم في الرأى، بل لقد منعوا طباعة، وتوزيع، وقراءة الإنجيل، وكانت عقوبة العثور على نسخة من الإنجيل في بيت مواطن تصل إلى الإعدام، أو السجن المؤبد. وكان هذا من أسباب نشوء حركة الاحتجاج لمارتن لوثر كينج (البروتستانتية).
وتحديد العدو الأول في الإسلام في عصرنا الراهن، لا يحتاج إلى اجتهاد عويص، أو تفكير عميق؛ ومن لا يريد أن يعلن ذلك، فهو خواف، أو جبان، أو هارب من الميدان. وهذا هو سبب شعبية أسامة بن لادن؛ أنه أعلن الحرب على اليهود والصليبية الأمريكية، وهو ليس بعالم أو مجتهد بالمعايير التقليدية، ولكن هذا الموضوع كعنوان عام، كما ذكرنا لا يحتاج إلى دراسات فقهية خطيرة، ولكننا نحتاج لدراسات فقهية فيما دون ذلك التحديد العام .
وتحديد الطاغوت أو أئمة الكفر في الإسلام، موضوع عالمي أي على مستوى الكرة الأرضية، وليس داخل كل بلد على حدة. فالرسول(صلى الله عليه وسلم) أُرسل للعالمين، وقد أصبح الإسلام طرفًا في المعادلة العالمية منذ الوهلة الأولى بالمواجهات مع الإمبراطورية الرومانية في عهد الرسول، وما تبع ذلك من فتوحات على القوتين العظميين في العالم: الرومانية والفارسية. ولكننا نعبر التاريخ سريعًا إلى الوضع الراهن ومنذ عشرات السنين: من هو العدو الأول للإسلام؟ هل يختلف أحد أن أمريكا هي العدو الأول للإسلام، بالتحالف مع اليهود، الذين يتحكمون في النظام الأمريكي ذاته (وعندما نذكر أمريكا في هذه الدراسة، فبرجاء الذكر أن هذا يعني الحلف اليهودي- الأمريكي)، فأمريكا هي القوة الأولى في العالم، وتستخدم معظم قواتها العسكرية؛ لمحاربة الإسلام بعد أن ورثت النفوذ الفرنسي – البريطاني.
وإذا كانت دار الإسلام تمتد من المغرب حتى إندونيسيا؛ فإن معظم القوات الأمريكية منتشرة في هذه المنطقة، وهي لا تحارب إلا المسلمين، بعد انسحابها وهزيمتها في أمريكا اللاتينية، ومعظم القارة الآسيوية.
أمريكا تدعم إسرائيل بأحدث الأسلحة، وهي تضمن الحفاظ على أمنها في إطار التحالف الاستراتيجي، ولكن أمريكا حاولت احتلال العراق بالفعل، واستمرت به عدة سنوات، وهناك احتمال كبير لعودتها مع بوادر أزمة داعش. وأمريكا احتلت أفغانستان، وهي على وشك الانسحاب منها، ولكنها تترك بعض القوات والقواعد هناك. أمريكا تشن غارات جوية على باكستان، واليمن، والصومال تحت شعار ضرب تنظيم القاعدة وطالبان؛ أمريكا قصفت ليبيا؛ بزعم دعم الثورة الليبية، وتسعى للهيمنة على هذا البلد.
أمريكا لها تعاون عسكري مع المغرب، والجزائر، وكان لها قاعدة في تونس أيام زين العابدين بن علي، ولا نعرف مصيرها الآن، أمريكا وإسرائيل كانا وراء انفصال جنوب السودان، وهما وراء محاولة فصل دارفور أيضا، أمريكا لها قواعد عسكرية في أفريقيا وقيادة عسكرية لأفريقيا، ومن ذلك قاعدة في جيبوتي.
لأمريكا قاعدة خطيرة في المحيط الهندي (دييجوغارسيا)، وهي قريبة من الخليج وباكستان؛ لأمريكا قواعد في كل دول الخليج الستة، ومصر، والأردن، وكان لها تسهيلات عسكرية في عهد علي عبد الله صالح ولاتزال مستمرة.
ولأمريكا قواعد وتسهيلات في بلاد وسط آسيا الإسلامية، مثل: أذربيجان وقرجيزيا؛ أمريكا كانت وراء فصل تيمور الشرقية عن إندونيسيا، وتهدد أمريكا دائما بقصف إيران وسوريا، وهي الآن تهدد بقصف العراق وسوريا؛ لضرب داعش.
وهكذا فإن أكبر آلة حربية في التاريخ لا تعمل إلا ضد المسلمين؛ أما إسرائيل الحليفة، فهي تواصل عملياتها الإجرامية ضد الفلسطينيين في غزة والضفة بدعم أمريكي كامل: سياسي، واقتصادي، وعسكري.
هل توجد قوة عالمية أخرى تحارب الإسلام بكل هذه الضراوة وتتدخل في شئون المسلمين على هذا النطاق الواسع؟ البعض يحاول أن يلفت الانتباه إلى روسيا، ولدينا مشكلة مع روسيا في الشيشان، وتحالف النظام الروسي مع النظام السوري ليس ضد الإسلام، ولكن أولا: هذه علاقة قديمة، وفي إطار الصراع الدولي مع أمريكا على النفوذ في المنطقة، كما أن روسيا لا تقاتل بنفسها في سوريا!! بل أن الوضع في سوريا أصبح مأسويًّا، ومن الصعب الحديث عن ثورة إسلامية الآن في سوريا، كما ثبت أن السلاح الروسي يتسرب إلى المقاومة اللبنانية والفلسطينية، (كصواريخ كورنيت)، الوضع في سوريا ناقشناه في مواضع أخرى، وفي كل الأحوال هكذا لا نجد روسيا في حالة حرب مع المسلمين من المغرب حتى إندونيسيا، بل هي مستعدة للتعاون مع أي دولة إسلامية؛ لتحقيق مصالحها.
وبالتالي لا يمكن مقارنة دور روسيا ( وهي بالتأكيد ليست مع الصحوة الإسلامية) بهذه الحملة الأمريكية الشعواء، الصين لدينا مشكلة مع الأقلية الإسلامية، ولكن مع ملاحظة أن هناك تنظيمات مسلحة تسعى للانفصال عن الصين، ومهما يكن، فنحن أمام مشكلة موضعية، ولسنا في حالة حرب شاملة.
والهند لدينا مشكلة معها في كشمير، ولسنا في حالة حرب شاملة مع الهند.. وهكذا - إذن - العدو الأول، هو أمريكا، ثم أمريكا، ثم أمريكا (ومعها إسرائيل واليهود) وفي ذيلها بعض دول أوروبا التي سلمت قيادها عسكريا لأمريكا، ووفرت على نفسها المجهود الحربي؛ لذلك تشارك مع أمريكا في حروبها بصورة رمزية، ولكن مع الدعم السياسي الكامل.
هذه الدراسة كتبت من حوالي 6 شهور مضت *
الحملة على أمة الاسلام ليست عسكرية فحسب فلا توجد حملة عسكرية بدون أهداف سياسية. الحملة تستهدف وأد البديل الحضاري الوحيد لحضارة الغرب المادية التي تتشح بوشاح المسيحية- اليهودية.
لاحظوا أن أمريكا تكتسب صداقة شعوب شرق اوروبا بسهولة لأنهم تحت نفس المظلة العقائدية، فيهربون من التبعية لروسيا إلى أمريكا، وإذا نجح النموذج الروسي التنموي فستعود هذه الشعوب إلى أحضان روسيا بدون حرب أو دبابات أو احتلال، حيث تجمعهم المسيحية الأرثوذكسية أو السلافية كثقافة ولغة أو القرب الجغرافي.
ولاشك أن الاستراتيجية الأمريكية قائمة على فكرة الاستيلاء على كل الكرة الأرضية وهي فكرة تجمع بين البروتستانت الانجيليين واليهود، ولكن في إطار هذه الاسترتيجية فإن أمة الاسلام هي العدو والعقبة رقم واحد في هذا السبيل. وقد شرحت أسباب ذلك بالتفصيل في دراسة (أمريكا طاغوت العصر) وأقول باختصار:
(1)لأن المشروع الحضاري الاسلامي هو مشروع عالمي ويطرح بديل متكامل لرؤية الغرب ويستهدف بدوره الكرة الأرضية كلها!! ولكن بالدعوة والحسنى وليس بالغزو والاكراه والأساطيل والصواريخ، كما نرى الآن الاسلام ينتشر في كل أركان الأرض وفي عقر دارالغرب بدون أي خطة مركزية أو تخطيط، بل في ظل حالة من خبل حكام المسلمين أو معظمهم. أما الحضارات الكونفوشيوسية والهندوكية والبوذية واللاتينية فهي مشروعات محلية غير قابلة بحكم تركيبتها للتصدير، بل تتعرض هذه الحضارات لموجات مؤثرة من الفكر الغربي تعيد صياغتها بصورة مقبولة وغير عدائية مع المشروع الغربي، على الأقل في المدى المنظور لذلك ليس من قبيل الصدفة أن تعين الادارة الأمريكية برنارد لويس اليهودي الصهيوني مستشاراً لوزير الدفاع الأمريكي "البنتاجون"، وأن يبحث الكونجرس الأمريكي دراساته المعادية للاسلام والمسلمين.. ويتردد أنه يقرها سراً، ومن أقواله المنشورة: (إن العرب والمسلمين قوم فاسدون مفسدون فوضويون لايمكن تحضيرهم وإذا تركوا لأنفسهم فسوف يفاجئون العالم المتحضر بموجات بشرية إرهابية تدمر الحضارات وتقوض المجتمعات ولذلك فإن الحل السليم للتعامل معهم هو إعادة احتلالهم واستعمارهم وتدمير ثقافتهم الدينية وتطبيقاتها الاجتماعية، من الضروري إعادة تقسيم الأقطار العربية والاسلامية إلى وحدات عشائرية وطائفية ولا داعي لمراعاة خواطرهم أو التأثر بانفعالاتهم وردود أفعالهم ويجب أن يكون شعار أمريكا في ذلك: إما أن نضعهم تحت سيادتنا أو ندعهم ليدمروا حضارتنا، ولا مانع عند إعادة احتلالهم أن تكون مهمتنا المعلنة هي تدريب شعوب المنطقة على الحياة الديمقراطية. وخلال هذا الاستعمار تقوم أمريكا بالضغط على قيادتهم الاسلامية دون مجاملة ولا لين ولا هوادة ليخلصوا شعوبهم من المعتقدات الاسلامية الفاسدة.(حديث صحفي في 20/5/2005) وقد كتب برنارد لويس خطة تقسيم الدول العربية وهي التي يجري تنفيذها الآن على أرض الواقع وسنعود إليها.
(2)السبب الثاني لهذا العداء المميت ضد الاسلام: الموقع الاستراتيجي لما يسمى الشرق الأوسط. والذي يتعين على أي قوة عظمى تريد السيطرة على العالم أن تسيطر عليه بحكم موقعه المتوسط، وهي المنطقة الممتدة من مصر إلى أفغانستان ومن تركيا إلى اليمن والصومال، و95% من سكان هذه المنطقة مسلمون.
(3)الموقع الاستراتيجي الديني حيث توجد المقدسات الدينية الأساسية في هذه المنطقة : الجزيرة العربية وفلسطين. وبشكل أخص القدس، فهي العاصمة الروحية للامبراطورية العظمى في العالم دائماً. فأمريكا واليهود يقولون أن القدس هي عاصمة الحضارة اليهودية المسيحية، ونحن نقول إنها العاصمة الروحية للمسلمين بعد مكة والمدينة.
(4)جَد في القرن العشرين سبب رابع وهو ظهور أكبر مخزون احتياطي للنفط في هذه المنطقة الاسلامية المتوسطة بالاضافة للثروات الأخرى، وبالتالي أصبحت السيطرة على هذه المنطقة ضرورية للقوة العظمى المهيمنة.
ماذا يجري في مصر؟!
نحن نركز في هذه الورقة على مصر لأنها محور المنطقة، ولأنها بلدنا الذي نعيش فيه ونحبه وسنسأل عنه يوم القيامة وأيضا لأن الأمريكان واليهود قد اخترقوها حتى الأعماق على مدار 40 سنة وهم يدركون أن مصر هي الجائزة الكبرى ومن يحوزها باستقرار ستكون له المنطقة بأسرها. ولكن لن نطيل في هذه النقطة لأننا غطيناها في مقالات عديدة سابقة ونحن نريد أن نتوقف عند النقطة الفقهية الأساسية وهي مسألة "الشرك"، وأن الموقف من أمريكا ليس مسألة سياسية تحتمل وجهات نظر بل هي مسألة ايمانية.
وما ينطبق على مصر ينطبق بطبيعة الحال على سائر الدول العربية والاسلامية التي يقع معظمها في أوضاع مشابهة. ونحن نركز على مصر لسبب إضافي وهو انتشار دين عبادة أمريكا كما سنوضح، بحيث يمكن أن تقول أن دحر هذا "الدين" هو مفتاح إنطلاقها وعودتها سيرتها الأولى إلى حالتها الطبيعية، منارة للعرب والمسلمين، بل ولكل العالمين.. مصر التي تحولت إلى الرجل المريض الشحاذ على يد حكامها من السادات إلى السيسي.
والآن باسم الانفتاح ثم السلام ثم العولمة أصبحت مجرد خادم لأمريكا، موضوعنا الفقهي لايتعلق بمصر دون غيرها، ولكن أهمية مصر تعطي وزنا خطيراً لهذه الرؤية الفقهية.
مصر خضعت تدريجياً منذ 1974 للإرادة الأمريكية- الصهيونية، وأصبحت المرجعية الأمريكية هي الحاكمة لا دستور البلاد ولا الشريعة الاسلامية، أمريكا هي المشرفة على أهم شئ وهو الأمن الخارجي والداخلي (الجيش– الشرطة) والاقتصاد والتشريع والسياسة الخارجية وكان الخلاف الوحيد دائما حول سرمدية الحاكم، فالحاكم يريد أن يبقى في الحكم مدى الحياة ويورثه لأبنائه وأمريكا تخشى من هذا الأسلوب خوفاً على النظام ومن ثم خوفا على مصالحها. ولكن أين هي عبادة أمريكا في كل ذلك ..(يتبع)
ملاحظة:
مصر التي أعشقها وأبكيها في أيامي الأخيرة حزينا أن أرى ثورتها تنكسر والشعب في قبضة اعلام فاجر، وأنا أكتب في الوقت الضائع انتظر السجن في أي لحظة والبلاغات تنهمر على من كل حدب وصوب وأنا حزين أن عجزت أنا وصحبىَ أن نوقف مسلسل الانهيار في ظل حالة من التعتيم الاعلامي الفضائي وقد وصل الأمر إلى حد إغلاق الجريدة المطبوعة. ولم يبق لنا إلا الانترنت حتى إشعار آخر.. وقبل أن أواصل البحث الفقهي لابد أن أرثي لحال مصر وهي في حالة التبعية لأمريكا، مصر التي قال عنها هيروديت:{حكم مصر أمازيس عام 570 قبل الميلاد وكان بها ألف مدينة آهلة بالسكان، وصدرت في عهده قوانين رائعة كذلك القانون الذي يفرض على كل مصري أن يبني سنوياً موارد عيشه كحاكم الولاية، ومن لايفعل ذلك ولم يثبت انه يعيش عيشة مشروعة كان عقابه الموت. وقد نقل صولون الأثيني هذا القانون المصري ووضعه للأثنيين الذين يطبقونه الآن} هذا الكلام كتب بعد 100 سنة من عهد أمازيس، وهو لايدرس في مدارسنا!!
في عهد امازيس كانت قبرص تابعة لمصر وتدفع الجزية، في عهد مرسي والسيسي استولت قبرص على غاز مصر الطبيعي من باطن البحر المتوسط!! وكثيرا ما كانت قبرص في كل العهود تابعة لمصر!!
وحتى عندما استولى البطالمة على مصر تمصروا وحولوا الاسكندرية إلى عاصمة بلاد البحرالأبيض المتوسط الأدبية والعلمية وأنشأ المتحف والمكتبة التي تحولت إلى تجمع للعلماء في الفلك والطبيعة وأطباء وكانوا يتقاضون مرتبات من الخزانة العامة، ولم يكونوا يعلموا طلاباً في البداية، بل توفروا على البحوث والدراسات وإجراء التجارب، ثم بدأت مرحلة إلقاء المحاضرات للطلاب. وتعتبر هذه المكتبة وهذا المعهد والجامعة أول مؤسسة في التاريخ أقامتها دولة للعمل على تقدم الآداب والعلوم. وفي عام 53 م أصبحت مصر مركزاً صناعياً أساسيا حيث اذهرت فيها الصناعات خاصة المنسوجات والأصباغ والورق الذي أصبحت تصنع منه أنواع متعددة تسد حاجة عالم البحر الأبيض كله، بينما واصلت دور المورد الأساسي للقمح لسائر الامبراطورية الرومانية وما كان لروما أن تحكم دون أن تكون مصر معها، وكانت كنيسة الاسكندرية هي أهم كنيسة في العالم بل أول كنيسة لأن روما تأخرت في تبني المسيحية. وعندما زار هادريان امبراطور روما الاسكندرية عام 130 م كان منبهرا باعتبارها أكثر تقدما من روما فقال: (إنها مدينة غنية تتمتع بالثراء والرخاء ولايوجد بها عاطل عن العمل فالبعض يعمل في صناعة الزجاج وآخرون يعملون في صناعة الورق وكثيرون يعملون إما في صناعات النسيج أو في أي حرفة أو صناعة أخرى: حتى أصحاب العاهات من العجزة والخصيان والعميان كل له عمله حتى من فقدوا أيديهم لا يقضون حياتهم عاطلين)!
هذه مجرد شذرات في مراحل تاريخية غير مطروقة وإلا فإن قيمة ووزن مصر تملأ المجلدات عبر التاريخ.
أي مطالع للقرآن الكريم، سيكتشف ببساطة أن قضية الكفر والإيمان، هي موضوع هذا الكتاب المنزل من عنده - تعالى- ، وكل ما ورد فيه من معان، وقصص، وشرائع، وأحكام، هي تفرعات من هذه القضية الأصلية .
وفي السنوات الأخيرة، شنت القوى العلمانية اللادينية التي تهيمن على البلاد، وفي إطار السيطرة الغربية؛ شنت حملة شعواء على فكرة الكفر والتكفير؛ فأخذ الإسلاميون موقفًا دفاعيًّا، فكفوا عن الحديث عن "الكفر"؛ ليثبتوا أنهم عصريون ومستنيرون!! ونسوا أن إسقاط قضية الكفر من الخطاب؛ سيؤدي بالضرورة إلى إسقاط قضية الإيمان؛ لأن المسألتين متلازمتين، كـ: الليل، والنهار؛ الخير والشر، ... إلخ، فأصبح خطاب التيار الإسلامي مائعًا، سياسيًّا تقليديًّا، لا يفرق بينهم وبين باقي الأحزاب العلمانية؛ وكان هذا هو سبب ظهور تيارات متطرفة، كرد فعل لهذه المهزلة تغالي في مسألة التكفير. في حين أن الموقف الوسط، هو الموقف الإسلامي الصحيح.
ومن الملاحظات المهمة، أن مصطلح "تكفير" غير موجود في القرآن الكريم.
الإسلام لا يسعى لتكفير أحد، ولكن الكفار، هم الذين يفصحون عن أنفسهم بالأقوال والأفعال، وكذلك المشركون، وهؤلاء هم الذين يتصدى لهم المسلمون بالمواجهة الفكرية، ثم بالدفاع المسلح إذا اعتدوا على المؤمنين، وهذا ما نعنيه بالموقف الوسط، أن نواجه فكر معسكر الكفر بالفكر، وأن نسمي الأشياء بأسمائها الحقيقية دون خوف أو وجل، سواء على المستوى الوطني، أو الإقليمي، أو العالمي.
لقد أهدانا الله -سبحانه وتعالى- المنهج من خلال القرآن الكريم، بل وحذرنا في أكثر من موضع بالقرآن الكريم مما نسميه اليوم (تكفير)، أي الاستسهال في اتهام الناس بالكفر، كما ورد مثلاً في سورة النساء (94): (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَىٰ إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ ۚ كَذَٰلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا).
أهدانا الله المنهج، وأمرنا أن نعمل عقولنا التي تميزنا عن كثير من المخلوقات، فالقرآن دليل وإرشاد؛ لتستخدمه عقولنا، لا لإلغاء العقول!! ففي كل عصر لابد للمسلمين أن يحددوا أعداءهم، أئمة الكفر، الطاغوت الأكبر الذي يتعين مواجهته.. وهذه مسألة من الوضوح بمكان لا تحتاج لكهنوت، أو لاجتهاد كبار العلماء، وهي مسئولية كل مؤمن لا يمكن أن يتهرب منها، بمعنى أنه إذا زاغ العلماء في عصور الانحطاط؛ فإن الأمة لا تسير وراءهم؛ لأن (الحق أبلج والباطل لجلج).
ونحن لدينا أزمة علماء، فهل نضيع الدين بسبب ذلك؟!، في عهد مبارك في عقده الأخير، لم يوجد إسلاميون يطالبون بإسقاط حكمه؛ لأنه حكم غير شرعي، إلا نحن وجبهة علماء الأزهر، وأرجو أن نعرف رأي العلماء الأجلاء في هذه الدراسة بعد اطلاعهم عليها.
لقد ضاع الدين المسيحي؛ عندما أصبح رهينة رجال دين لا يسمحون لأي أحد من الرعية أن يشاركهم في الرأى، بل لقد منعوا طباعة، وتوزيع، وقراءة الإنجيل، وكانت عقوبة العثور على نسخة من الإنجيل في بيت مواطن تصل إلى الإعدام، أو السجن المؤبد. وكان هذا من أسباب نشوء حركة الاحتجاج لمارتن لوثر كينج (البروتستانتية).
وتحديد العدو الأول في الإسلام في عصرنا الراهن، لا يحتاج إلى اجتهاد عويص، أو تفكير عميق؛ ومن لا يريد أن يعلن ذلك، فهو خواف، أو جبان، أو هارب من الميدان. وهذا هو سبب شعبية أسامة بن لادن؛ أنه أعلن الحرب على اليهود والصليبية الأمريكية، وهو ليس بعالم أو مجتهد بالمعايير التقليدية، ولكن هذا الموضوع كعنوان عام، كما ذكرنا لا يحتاج إلى دراسات فقهية خطيرة، ولكننا نحتاج لدراسات فقهية فيما دون ذلك التحديد العام .
وتحديد الطاغوت أو أئمة الكفر في الإسلام، موضوع عالمي أي على مستوى الكرة الأرضية، وليس داخل كل بلد على حدة. فالرسول(صلى الله عليه وسلم) أُرسل للعالمين، وقد أصبح الإسلام طرفًا في المعادلة العالمية منذ الوهلة الأولى بالمواجهات مع الإمبراطورية الرومانية في عهد الرسول، وما تبع ذلك من فتوحات على القوتين العظميين في العالم: الرومانية والفارسية. ولكننا نعبر التاريخ سريعًا إلى الوضع الراهن ومنذ عشرات السنين: من هو العدو الأول للإسلام؟ هل يختلف أحد أن أمريكا هي العدو الأول للإسلام، بالتحالف مع اليهود، الذين يتحكمون في النظام الأمريكي ذاته (وعندما نذكر أمريكا في هذه الدراسة، فبرجاء الذكر أن هذا يعني الحلف اليهودي- الأمريكي)، فأمريكا هي القوة الأولى في العالم، وتستخدم معظم قواتها العسكرية؛ لمحاربة الإسلام بعد أن ورثت النفوذ الفرنسي – البريطاني.
وإذا كانت دار الإسلام تمتد من المغرب حتى إندونيسيا؛ فإن معظم القوات الأمريكية منتشرة في هذه المنطقة، وهي لا تحارب إلا المسلمين، بعد انسحابها وهزيمتها في أمريكا اللاتينية، ومعظم القارة الآسيوية.
أمريكا تدعم إسرائيل بأحدث الأسلحة، وهي تضمن الحفاظ على أمنها في إطار التحالف الاستراتيجي، ولكن أمريكا حاولت احتلال العراق بالفعل، واستمرت به عدة سنوات، وهناك احتمال كبير لعودتها مع بوادر أزمة داعش. وأمريكا احتلت أفغانستان، وهي على وشك الانسحاب منها، ولكنها تترك بعض القوات والقواعد هناك. أمريكا تشن غارات جوية على باكستان، واليمن، والصومال تحت شعار ضرب تنظيم القاعدة وطالبان؛ أمريكا قصفت ليبيا؛ بزعم دعم الثورة الليبية، وتسعى للهيمنة على هذا البلد.
أمريكا لها تعاون عسكري مع المغرب، والجزائر، وكان لها قاعدة في تونس أيام زين العابدين بن علي، ولا نعرف مصيرها الآن، أمريكا وإسرائيل كانا وراء انفصال جنوب السودان، وهما وراء محاولة فصل دارفور أيضا، أمريكا لها قواعد عسكرية في أفريقيا وقيادة عسكرية لأفريقيا، ومن ذلك قاعدة في جيبوتي.
لأمريكا قاعدة خطيرة في المحيط الهندي (دييجوغارسيا)، وهي قريبة من الخليج وباكستان؛ لأمريكا قواعد في كل دول الخليج الستة، ومصر، والأردن، وكان لها تسهيلات عسكرية في عهد علي عبد الله صالح ولاتزال مستمرة.
ولأمريكا قواعد وتسهيلات في بلاد وسط آسيا الإسلامية، مثل: أذربيجان وقرجيزيا؛ أمريكا كانت وراء فصل تيمور الشرقية عن إندونيسيا، وتهدد أمريكا دائما بقصف إيران وسوريا، وهي الآن تهدد بقصف العراق وسوريا؛ لضرب داعش.
وهكذا فإن أكبر آلة حربية في التاريخ لا تعمل إلا ضد المسلمين؛ أما إسرائيل الحليفة، فهي تواصل عملياتها الإجرامية ضد الفلسطينيين في غزة والضفة بدعم أمريكي كامل: سياسي، واقتصادي، وعسكري.
هل توجد قوة عالمية أخرى تحارب الإسلام بكل هذه الضراوة وتتدخل في شئون المسلمين على هذا النطاق الواسع؟ البعض يحاول أن يلفت الانتباه إلى روسيا، ولدينا مشكلة مع روسيا في الشيشان، وتحالف النظام الروسي مع النظام السوري ليس ضد الإسلام، ولكن أولا: هذه علاقة قديمة، وفي إطار الصراع الدولي مع أمريكا على النفوذ في المنطقة، كما أن روسيا لا تقاتل بنفسها في سوريا!! بل أن الوضع في سوريا أصبح مأسويًّا، ومن الصعب الحديث عن ثورة إسلامية الآن في سوريا، كما ثبت أن السلاح الروسي يتسرب إلى المقاومة اللبنانية والفلسطينية، (كصواريخ كورنيت)، الوضع في سوريا ناقشناه في مواضع أخرى، وفي كل الأحوال هكذا لا نجد روسيا في حالة حرب مع المسلمين من المغرب حتى إندونيسيا، بل هي مستعدة للتعاون مع أي دولة إسلامية؛ لتحقيق مصالحها.
وبالتالي لا يمكن مقارنة دور روسيا ( وهي بالتأكيد ليست مع الصحوة الإسلامية) بهذه الحملة الأمريكية الشعواء، الصين لدينا مشكلة مع الأقلية الإسلامية، ولكن مع ملاحظة أن هناك تنظيمات مسلحة تسعى للانفصال عن الصين، ومهما يكن، فنحن أمام مشكلة موضعية، ولسنا في حالة حرب شاملة.
والهند لدينا مشكلة معها في كشمير، ولسنا في حالة حرب شاملة مع الهند.. وهكذا - إذن - العدو الأول، هو أمريكا، ثم أمريكا، ثم أمريكا (ومعها إسرائيل واليهود) وفي ذيلها بعض دول أوروبا التي سلمت قيادها عسكريا لأمريكا، ووفرت على نفسها المجهود الحربي؛ لذلك تشارك مع أمريكا في حروبها بصورة رمزية، ولكن مع الدعم السياسي الكامل.
هذه الدراسة كتبت من حوالي 6 شهور مضت *
الحملة على أمة الاسلام ليست عسكرية فحسب فلا توجد حملة عسكرية بدون أهداف سياسية. الحملة تستهدف وأد البديل الحضاري الوحيد لحضارة الغرب المادية التي تتشح بوشاح المسيحية- اليهودية.
لاحظوا أن أمريكا تكتسب صداقة شعوب شرق اوروبا بسهولة لأنهم تحت نفس المظلة العقائدية، فيهربون من التبعية لروسيا إلى أمريكا، وإذا نجح النموذج الروسي التنموي فستعود هذه الشعوب إلى أحضان روسيا بدون حرب أو دبابات أو احتلال، حيث تجمعهم المسيحية الأرثوذكسية أو السلافية كثقافة ولغة أو القرب الجغرافي.
ولاشك أن الاستراتيجية الأمريكية قائمة على فكرة الاستيلاء على كل الكرة الأرضية وهي فكرة تجمع بين البروتستانت الانجيليين واليهود، ولكن في إطار هذه الاسترتيجية فإن أمة الاسلام هي العدو والعقبة رقم واحد في هذا السبيل. وقد شرحت أسباب ذلك بالتفصيل في دراسة (أمريكا طاغوت العصر) وأقول باختصار:
(1)لأن المشروع الحضاري الاسلامي هو مشروع عالمي ويطرح بديل متكامل لرؤية الغرب ويستهدف بدوره الكرة الأرضية كلها!! ولكن بالدعوة والحسنى وليس بالغزو والاكراه والأساطيل والصواريخ، كما نرى الآن الاسلام ينتشر في كل أركان الأرض وفي عقر دارالغرب بدون أي خطة مركزية أو تخطيط، بل في ظل حالة من خبل حكام المسلمين أو معظمهم. أما الحضارات الكونفوشيوسية والهندوكية والبوذية واللاتينية فهي مشروعات محلية غير قابلة بحكم تركيبتها للتصدير، بل تتعرض هذه الحضارات لموجات مؤثرة من الفكر الغربي تعيد صياغتها بصورة مقبولة وغير عدائية مع المشروع الغربي، على الأقل في المدى المنظور لذلك ليس من قبيل الصدفة أن تعين الادارة الأمريكية برنارد لويس اليهودي الصهيوني مستشاراً لوزير الدفاع الأمريكي "البنتاجون"، وأن يبحث الكونجرس الأمريكي دراساته المعادية للاسلام والمسلمين.. ويتردد أنه يقرها سراً، ومن أقواله المنشورة: (إن العرب والمسلمين قوم فاسدون مفسدون فوضويون لايمكن تحضيرهم وإذا تركوا لأنفسهم فسوف يفاجئون العالم المتحضر بموجات بشرية إرهابية تدمر الحضارات وتقوض المجتمعات ولذلك فإن الحل السليم للتعامل معهم هو إعادة احتلالهم واستعمارهم وتدمير ثقافتهم الدينية وتطبيقاتها الاجتماعية، من الضروري إعادة تقسيم الأقطار العربية والاسلامية إلى وحدات عشائرية وطائفية ولا داعي لمراعاة خواطرهم أو التأثر بانفعالاتهم وردود أفعالهم ويجب أن يكون شعار أمريكا في ذلك: إما أن نضعهم تحت سيادتنا أو ندعهم ليدمروا حضارتنا، ولا مانع عند إعادة احتلالهم أن تكون مهمتنا المعلنة هي تدريب شعوب المنطقة على الحياة الديمقراطية. وخلال هذا الاستعمار تقوم أمريكا بالضغط على قيادتهم الاسلامية دون مجاملة ولا لين ولا هوادة ليخلصوا شعوبهم من المعتقدات الاسلامية الفاسدة.(حديث صحفي في 20/5/2005) وقد كتب برنارد لويس خطة تقسيم الدول العربية وهي التي يجري تنفيذها الآن على أرض الواقع وسنعود إليها.
(2)السبب الثاني لهذا العداء المميت ضد الاسلام: الموقع الاستراتيجي لما يسمى الشرق الأوسط. والذي يتعين على أي قوة عظمى تريد السيطرة على العالم أن تسيطر عليه بحكم موقعه المتوسط، وهي المنطقة الممتدة من مصر إلى أفغانستان ومن تركيا إلى اليمن والصومال، و95% من سكان هذه المنطقة مسلمون.
(3)الموقع الاستراتيجي الديني حيث توجد المقدسات الدينية الأساسية في هذه المنطقة : الجزيرة العربية وفلسطين. وبشكل أخص القدس، فهي العاصمة الروحية للامبراطورية العظمى في العالم دائماً. فأمريكا واليهود يقولون أن القدس هي عاصمة الحضارة اليهودية المسيحية، ونحن نقول إنها العاصمة الروحية للمسلمين بعد مكة والمدينة.
(4)جَد في القرن العشرين سبب رابع وهو ظهور أكبر مخزون احتياطي للنفط في هذه المنطقة الاسلامية المتوسطة بالاضافة للثروات الأخرى، وبالتالي أصبحت السيطرة على هذه المنطقة ضرورية للقوة العظمى المهيمنة.
ماذا يجري في مصر؟!
نحن نركز في هذه الورقة على مصر لأنها محور المنطقة، ولأنها بلدنا الذي نعيش فيه ونحبه وسنسأل عنه يوم القيامة وأيضا لأن الأمريكان واليهود قد اخترقوها حتى الأعماق على مدار 40 سنة وهم يدركون أن مصر هي الجائزة الكبرى ومن يحوزها باستقرار ستكون له المنطقة بأسرها. ولكن لن نطيل في هذه النقطة لأننا غطيناها في مقالات عديدة سابقة ونحن نريد أن نتوقف عند النقطة الفقهية الأساسية وهي مسألة "الشرك"، وأن الموقف من أمريكا ليس مسألة سياسية تحتمل وجهات نظر بل هي مسألة ايمانية.
وما ينطبق على مصر ينطبق بطبيعة الحال على سائر الدول العربية والاسلامية التي يقع معظمها في أوضاع مشابهة. ونحن نركز على مصر لسبب إضافي وهو انتشار دين عبادة أمريكا كما سنوضح، بحيث يمكن أن تقول أن دحر هذا "الدين" هو مفتاح إنطلاقها وعودتها سيرتها الأولى إلى حالتها الطبيعية، منارة للعرب والمسلمين، بل ولكل العالمين.. مصر التي تحولت إلى الرجل المريض الشحاذ على يد حكامها من السادات إلى السيسي.
والآن باسم الانفتاح ثم السلام ثم العولمة أصبحت مجرد خادم لأمريكا، موضوعنا الفقهي لايتعلق بمصر دون غيرها، ولكن أهمية مصر تعطي وزنا خطيراً لهذه الرؤية الفقهية.
مصر خضعت تدريجياً منذ 1974 للإرادة الأمريكية- الصهيونية، وأصبحت المرجعية الأمريكية هي الحاكمة لا دستور البلاد ولا الشريعة الاسلامية، أمريكا هي المشرفة على أهم شئ وهو الأمن الخارجي والداخلي (الجيش– الشرطة) والاقتصاد والتشريع والسياسة الخارجية وكان الخلاف الوحيد دائما حول سرمدية الحاكم، فالحاكم يريد أن يبقى في الحكم مدى الحياة ويورثه لأبنائه وأمريكا تخشى من هذا الأسلوب خوفاً على النظام ومن ثم خوفا على مصالحها. ولكن أين هي عبادة أمريكا في كل ذلك ..(يتبع)
ملاحظة:
مصر التي أعشقها وأبكيها في أيامي الأخيرة حزينا أن أرى ثورتها تنكسر والشعب في قبضة اعلام فاجر، وأنا أكتب في الوقت الضائع انتظر السجن في أي لحظة والبلاغات تنهمر على من كل حدب وصوب وأنا حزين أن عجزت أنا وصحبىَ أن نوقف مسلسل الانهيار في ظل حالة من التعتيم الاعلامي الفضائي وقد وصل الأمر إلى حد إغلاق الجريدة المطبوعة. ولم يبق لنا إلا الانترنت حتى إشعار آخر.. وقبل أن أواصل البحث الفقهي لابد أن أرثي لحال مصر وهي في حالة التبعية لأمريكا، مصر التي قال عنها هيروديت:{حكم مصر أمازيس عام 570 قبل الميلاد وكان بها ألف مدينة آهلة بالسكان، وصدرت في عهده قوانين رائعة كذلك القانون الذي يفرض على كل مصري أن يبني سنوياً موارد عيشه كحاكم الولاية، ومن لايفعل ذلك ولم يثبت انه يعيش عيشة مشروعة كان عقابه الموت. وقد نقل صولون الأثيني هذا القانون المصري ووضعه للأثنيين الذين يطبقونه الآن} هذا الكلام كتب بعد 100 سنة من عهد أمازيس، وهو لايدرس في مدارسنا!!
في عهد امازيس كانت قبرص تابعة لمصر وتدفع الجزية، في عهد مرسي والسيسي استولت قبرص على غاز مصر الطبيعي من باطن البحر المتوسط!! وكثيرا ما كانت قبرص في كل العهود تابعة لمصر!!
وحتى عندما استولى البطالمة على مصر تمصروا وحولوا الاسكندرية إلى عاصمة بلاد البحرالأبيض المتوسط الأدبية والعلمية وأنشأ المتحف والمكتبة التي تحولت إلى تجمع للعلماء في الفلك والطبيعة وأطباء وكانوا يتقاضون مرتبات من الخزانة العامة، ولم يكونوا يعلموا طلاباً في البداية، بل توفروا على البحوث والدراسات وإجراء التجارب، ثم بدأت مرحلة إلقاء المحاضرات للطلاب. وتعتبر هذه المكتبة وهذا المعهد والجامعة أول مؤسسة في التاريخ أقامتها دولة للعمل على تقدم الآداب والعلوم. وفي عام 53 م أصبحت مصر مركزاً صناعياً أساسيا حيث اذهرت فيها الصناعات خاصة المنسوجات والأصباغ والورق الذي أصبحت تصنع منه أنواع متعددة تسد حاجة عالم البحر الأبيض كله، بينما واصلت دور المورد الأساسي للقمح لسائر الامبراطورية الرومانية وما كان لروما أن تحكم دون أن تكون مصر معها، وكانت كنيسة الاسكندرية هي أهم كنيسة في العالم بل أول كنيسة لأن روما تأخرت في تبني المسيحية. وعندما زار هادريان امبراطور روما الاسكندرية عام 130 م كان منبهرا باعتبارها أكثر تقدما من روما فقال: (إنها مدينة غنية تتمتع بالثراء والرخاء ولايوجد بها عاطل عن العمل فالبعض يعمل في صناعة الزجاج وآخرون يعملون في صناعة الورق وكثيرون يعملون إما في صناعات النسيج أو في أي حرفة أو صناعة أخرى: حتى أصحاب العاهات من العجزة والخصيان والعميان كل له عمله حتى من فقدوا أيديهم لا يقضون حياتهم عاطلين)!
هذه مجرد شذرات في مراحل تاريخية غير مطروقة وإلا فإن قيمة ووزن مصر تملأ المجلدات عبر التاريخ.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق