الأربعاء، 29 أكتوبر 2014

من يقتل الجنود المصريين؟ معن البياري*

من يقتل الجنود المصريين؟
معن البياري*


أول القول بشأن الاعتداء الإرهابي الذي قضى فيه 28 جندياً مصرياً، في سيناء، يوم الجمعة، أنه صار واجباً أن نخاف على مصر، ليس فقط لأن الجريمة هي السادسة والعشرون التي تستهدف جنوداً وعناصر أمن مصريين في سيناء وغيرها، منذ تصدّر عبد الفتاح السيسي واقعة "3 يوليو". بل، أيضاً، لأنه ثبت أن صناع القرار في هذا البلد المركزي ليسوا على الكفاءة اللازمة لحماية بلدهم وجنوده، وغير مؤهلين لحماية مواطنيهم مما يفترسهم من غلاء وفقر وتردٍّ عام. ويشار إلى هذين الأمرين فيهم، وفي البال أن إرهاباً استهدف الجيش والأمن المصريين إبان رئاسة محمد مرسي، غير مرّة. وليست منسيةً جريمة رمضان 2012 في رفح، والتي قضى فيها 16 جندياً. والأهم أن المصريين، ومعهم كل العرب، لم يطالعوا شيئاً بعد عن نتائج أي تحقيقاتٍ رسمية موثوقة، تحدد مرتكبي تلك الجريمة الفظيعة، ولا ما بعدها في زمن السيسي الذي أباح لنفسه إدارة مصر، وطلب خروج المصريين لتفويضه، باعتباره وزيراً للدفاع في حينه، في مواجهة الإرهاب، ثم كان له ما أراد، من دون أن يكون لهم ما يريدون من أمن وأمان وهناءة بال.
بعد ساعاتٍ من التفجير الإجرامي الذي ضرب مديرية الأمن في المنصورة، في ديسمبر/ كانون أول الماضي، وراح فيه 15 عسكرياً، أعلنت الحكومة المصرية جماعة الإخوان المسلمين إرهابية، ومضى المذيعون إياهم في الفضائيات إياها في "تأكيد" مسؤولية الجماعة المذكورة عن الجريمة، في اعتداءٍ كامل الأوصاف على وظيفة الدولة المصرية نفسها، والتي لم تعلن، حتى اللحظة، أن تحقيقاتها أثبتت تورط "الإخوان"، تنظيماً أو أفراداً، في الجريمة، بل ورّط حازم الببلاوي نفسه، في قوله، بعد خروجه من رئاسة الوزراء، أن قرار حكومته ذاك كان سياسياً. وليست واقعة المنصورة استثناءً في هذه المتاهة السقيمة، بل هذه صحف مصرية، وأخرى عربية، بعد ساعاتٍ من جريمة سيناء الجديدة، "تقرر" تورطاً لحركة حماس فيها.
يجد المواطن المصري، ومعه العربي، نفسه أمام خياريْن، أن يصدّق "بيت المقدس"، التنظيم الشبحي الذي تصدر بياناتٌ باسمه، تنسب فيها مسؤوليته عن جرائم الإرهاب، أو أن يصدّق لميس الحديدي وزملاءها في الشاشات والجرائد المصرية عن مسؤولية "الإخوان" و"حماس". ولا غضاضة في هذا، إذا يسّرت سلطات تحقيق مختصة نتائج تحرياتٍ انتهت إلى مثل هذا الاتهام الذي من سلطة القضاء أن يتداول فيه، ثم يصدر أحكامه ضد المعتدين والمدبرين، إن كانوا من خفافيش أيمن الظواهري أو مناصري محمد مرسي أو مبتعثي "حماس" إلى مصر لتخريبها. والأوضح أن السلطات المصرية ليست في وارد الأخذ بهذا السيناريو الكلاسيكي، كأنها تُؤثر دليل محمد حسنين هيكل على مسؤولية "الإخوان" عن جريمة المنصورة قتلهم القاضي أحمد الخازندار في 1948!
التقصير ثقيل وشديد الفداحة في تأمين الجنود وعناصر الأمن في سيناء، هذا هو الأدعى للانشغال به، لا سيما وأن عبد الفتاح السيسي يقول إن شهداء آخرين سيسقطون في جرائم إرهاب أخرى (؟!). وكذلك أن نطالع ما يفيد به الخبراء المختصون بشأن هذا التقصير الذي يقولون، والله أعلم، أنه يُضاف إلى نقصان تدريب أولئك الجنود المرابطين في تلك المناطق الخطرة وتأهيلهم، فيما كفاءة الإرهابيين، أو الشياطين الزرق على الأصح، عالية في قتل من يريدون، وبكيفياتٍ متنوعة، من دون أن يُمسَك أو يُعرَف أحد منهم. يتصدّى السيسي لهم، وهو مسؤول مخابراتٍ حربية سابق، بتقطيبةٍ تحاول الإيحاء برباطة جأشٍ غائبة، وبالكلام المألوف عن "دعم خارجي" يتم لهم. أما قوله إن مصر تواجه "حرب وجود" فهذا مبعث خوف مضافٍ فينا على مصر، لأن فخامته وفريقه غير مؤهلين للانتصار في هذه الحرب، متوهمةً كانت أم صحيحة.  

*******************
معن البياري : معن البياري
كاتب وصحفي من الأردن، مواليد 1965. رئيس قسم الرأي في "العربي الجديد".

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق