الأستاذ فهمي هويدي: لماذا لا تواجه الانقلاب أنت أيضا؟
محمد القدوسي
منعت سلطة الانقلاب الأستاذ "فهمي هويدي" من السفر. هل هناك أية مفاجأة في هذا؟ المفاجأة ـ ربما ـ تكون قائمة بالنسبة للأستاذ فهمي وحده، أما من اختاروا مواجهة هذه السلطة فيعرفون أن ما ارتكبته بديهي، وأنه مجرد حلقة في سلسلة جرائمها، التي لن تتوقف، ولهذا اختاروا موقف المواجهة منذ البداية، وهو ما لم يفعله الكاتب الكبير بكل أسف.
لا يطلب الانقلاب منك أكثر من الامتناع عن مواجهته، لا يريد الانقلاب تأييد الجميع، أولا لأنه ـ بطبيعته ـ يعتمد على القوة المسلحة، وليس على "الحشد" الذي يميز "الثورات". وأخيرا لأن قمته المستدقة لا تتسع إلا لشخص واحد، والطريق الضيق إليها لا يتسع إلا لعدد محدود، لهذا فإن عصابة الانقلاب تتجاهل كثيرا من "المشتاقين" مهما عبروا عن "لوعتهم" وأذاعوا أسرار "صبابتهم".
وإذا كنت بوزن الأستاذ "فهمي هويدي" فإن الانقلاب لن يمانع إذا ما أبديت بعضا من الاعتراض ـ بالأحرى الامتعاض ـ إزاء بعض من التفاصيل، بل إن مناقشة التفاصيل مطلب من مطالب الانقلاب، تدل ممارستها على تمريره والقبول به، وأن لا مشكلة في أصله ولا فيه من حيث المبدأ، والخلاف ـ إن كان هناك خلاف ـ قائم في حدود "التفاصيل" ويمارس من خلال "النقاش"!
كان الأستاذ شجاعا في نقاش كثير من التفاصيل، بل وصل إلى حد المواجهة، كما في بعض حديثه عن مجازر الانقلاب، لا شك في هذا، لكنه ساير الانقلاب ـ فيما هو أصول ـ إلى حد "التماهي" ولا شك في هذا أيضا.
لم يحسم الأستاذ مصطلحه الأساسي "الانقلاب" مكتفيا بأن يستخدمه أحيانا، ويشير إليه في أحيان أخرى بألفاظ تتحاشى المواجهة. وتعامل مع سلطة الانقلاب وكأنها مؤسسات الدولة، ومن هذا ما جاء في مقاله "المصارحة قبل المصالحة" ـ الشروق في الإثنين 15 من يوليو 2013 ـ بدءا من العنوان، الذي يشيع وهم "مصالحة" تتناقض ـ بنيويا ـ مع الانقلاب، إلى عبارات المقال التي تتعامل مع "عدلي منصور" وكأنه "رئيس مصر" وتعتبر ما قاله "رسالة جليلة"... الخ. حيث قال الأستاذ فهمي هويدي: "أن تطلق رئاسة الجمهورية في مصر دعوة إلى المصالحة الوطنية، فتلك رسالة جليلة لا ريب، أحد شروط نجاحها أن تتم المصالحة على أرضية المصارحة".
ثم يسلم الأستاذ بحجة الانقلاب الأساسية، ويفترض أنه وحد المصريين، لا مزقهم وقتلهم، حيث يقول: "أدرى أن عقدنا انفرط بدرجة أو بأخرى فى ظل الرئاسة السابقة، وأن ما أصاب الجماعة الوطنية المصرية من تصدعات خلال العام المنقضي ينبغي أن يسجل ضمن سلبيات تلك الفترة، لكنني أفهم ان أكثر تلك التصدعات التأمت أو أنها بسبيل ذلك في ظل الوضع المستجد. بالتالى فلست أظن أن المقصود بالمصالحة الوطنية هو التصالح مع الليبراليين أو القضاء أو المثقفين أو الأزهر أو الأقباط أو وسائل الإعلام، فهؤلاء جميعا أصبحوا «يدا واحدة» مع قيادات القوات المسلحة ومجمل الوضع الراهن، وعند الحد الأدنى فإن أحدا لا يستطيع أن يدعي بأن هناك مشكلة حقيقية تعوق التصالح مع هؤلاء جميعا. أما المشكلة والمصالحة المطلوبة فهي مع مجمل التيار الإسلامي، وفي المقدمة منه جماعة الإخوان المسلمين، المحظورة سابقا والمستهجنة والمنكورة حاليا".
وفي المقال إشارة واضحة إلى مذبحة الحرس الجمهوري، ومذبحة أخرى مبكرة في النهضة، وإلى "قتلى" وصل عددهم إلى 150 شخصا، وعبارة ـ واضحة مستقيمة ـ تقول: "إن دعوة الطرف الآخر للمصالحة في ظل استمرار هذه الملابسات يتعذر أخذها على محمل الجد، ولا تفسر إلا بأحد أمرين: فإما أن تكون مجرد فرقعة إعلامية وسياسية لإيهام الرأي العام في الداخل بأن النظام الجديد حريص على التصالح ولكن الآخرين هم الذين أعرضوا وأصروا على العناد والخصومة. وإما أن يكون المراد بها إذلال الطرف الآخر وإهانته، من خلال مطالبته بأن يأتي إلى طاولة الحوار صاغرا ومنبطحا؟" ونسأل: حسنا، فما قيمة دعوة مخاتلة كهذه؟ وكيف تسمى مصالحة؟ كما نسأل: أيحتاج دم بهذا الوضوح إلى معجم أممي لكي نفهمه؟
لكن الأستاذ فهمي هويدي ـ وبدلا من أن يجيب على تساؤلات أصولية كهذه ـ يحدثنا عن "مشكلة مع الرئيس مرسي والإخوان ومشكلة أخرى تتعلق بمستقبل الوطن، والأخيرة تنصب على مصير الحلم الديمقراطي الذى بات مهددا"! هكذا إذا! الديمقراطية التي مارسناها واقعا بعد ثورة يناير مجرد "حلم" وهو "مهدد" ليس أكثر، والأسوأ هو الفصل بين ما سماه الأستاذ "مشكلة مع الرئيس مرسي والإخوان" وما سماه "مشكلة أخرى تتعلق بمستقبل الوطن". ثم نصل إلى الذروة حيث يقول الأستاذ فهمي هويدي:"ومن الملفت للنظر أن الاهتمام مسلط على مشكلة النظام الجديد مع الإخوان (هكذا!) لكن قضية مستقبل الديمقراطية لا تلقى ما تستحقه من اهتمام، حتى من قبل أغلب الليبراليين الذين ما برحوا يعظوننا في ضرورة الديمقراطية وأهمية احترام قيمها وآلياتها".
أي ليبراليين وأية ليبرالية في سياق انقلاب يا أستاذ؟ هل يمكن أن تكون ليبراليا وتكون ـ في الوقت نفسه ـ جزءا من سلطة عسكرية؟ ثم أية ديمقراطية هذه التي تناقشها مع انقلاب؟ وأي مستقبل لها في ظل حكم العسكر؟ هل يمكن الحديث عن مستقبل إنسان بعد إعدامه؟
على أية حال، يقول الخبر الذي بثته وكالة "أسوشيتدبرس": "قال مسؤولو أمن بارزون إن الصحفي وكاتب المقالات البارز فهمي هويدي منع من السفر بمطار القاهرة".
وفي تماهٍ آخر مع الانقلاب، يصف الخبر فهمي هويدي بأنه "الصحفي الذي يكتب للموقع الإلكتروني لقناة الجزيرة في قطر وجريدة الشروق المصرية" ويقول إنه "تبين له أنه مدرج بقوائم حظر السفر عندما حاول أن يستقل طائرة متجهة إلى أسبانيا".
هكذا!! الكتابة للجزيرة تتصدر تعريف الأستاذ "فهمي هويدي" مع أن "الجزيرة" تنشر مقالات "الشروق" هي هي، وفي الوقت نفسه، ومع أن الشروق لها موقع إلكتروني، فضلا عن النسخة الورقية، لكن لتكن الجزيرة في الصدارة مادامت صياغة خبر الوكالة تريد "تبرير" المنع من السفر. والأسوأ أن المنع من السفر "تبين له" كأن "هويدي" اكتشفه" أو "عثر عليه" هكذا من دون حديث عن قانونية الإجراء، ولا عن إجرام من أصدره.
ثم ماذا؟ على طريقة "يا سلام ع الحنية يا سلام ع الإنسانية" يقول الخبر: "قال مسؤولون إنه سمح له (لهويدي) بالعودة إلى منزله بدون اتخاذ إجراءات أخرى، واشترطوا تكتم هوياتهم لأنهم غير مخولين بالحديث لصحفيين". (على الهامش لاحظوا أن مسؤولي الانقلاب أنفسهم خائفون ويتكتمون هوياتهم)
صفقوا إذا يا أولاد، ارفعوا أصواتكم ابتهاجا، فالمسؤولون اكتفوا بأن أعادوا "كاتب الجزيرة" إلى منزله من دون عقاب، وهل هناك فضل أكثر من هذا؟
ثم لماذا تدين الوكالة منع السفر إذا كان الأستاذ "فهمي هويدي" نفسه واصل تماهيه مع الحالة الانقلابية، مؤثرا البقاء بعيدا عن المواجهة، مكتفيا بتصريح مقتضب قال فيه إنه "تم منعه من السفر من مطار القاهرة" حسب المنشور في "اليوم السابع"! مع أنه كان يملك الإشارة إلى أن المنع جاء بسبب ما قاله في "تونس" من ربط بين الأسلحة التي استخدمتها سلطة الانقلاب وكيماوي "بشار الأسد". وجاء أيضا بعد الإيماء إليه بتهمة "الإرهاب" في مقال نشرته صحيفته التي يكتب فيها "الشروق"، وكتبه رئيس تحريرها.
الأستاذ "فهمي هويدي": رفضنا مسايرة القمع، ولو في أدنى درجاته، ولم نقبل الامتثال لسفاحين. فلماذا لا تفعل ما يتوجب عليك فعله، خاصة وميدان الثورة لا يضيق عن أن يتسع لمثلك؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق