الجمعة، 23 مايو 2014

من هنا نبدأ بقلم: صادق أمين

 من هنا نبدأ
بقلم: صادق أمين
كان هناك فقير يجلس على جانب الطريق لأكثر من ثلاثين سنة، وفي يوم من الأيام مرّ به شخص غريب، فسأله الفقير وهو يحمل قبعته القديمة: هل تقرضني بعضاً من المال؟
فرد عليه الغريب بقوله: لا يوجد لدي شيء لأعطيك إياه.
وبعدها سأله الغريب: ما ذلك الشيء الذي تجلس عليه؟
أجاب الفقير: لا شيء، مجرد صندوق قديم، وأنا أجلس عليه منذ فترة طويلة جداً.
فسأله الغريب: ألم تنظر إلى ما بداخله؟
فأجاب الفقير: لا، وما الفائدة، لا شيء هناك؟!
ألح عليه الغريب وقال: انظر إلى ما بداخله.
فحاول الفقير أن يفتح غطاء الصندوق، وبكل ذهول ودهشة صُعِق لمّا رأى أن الصندوق مملوء بالذهب.
قد يكون أنا أو الثورة أو الكفاح أو الحياة الحرة هو ذلك الغريب الذي لا يملك شيئا ليعطيك إياه، ويحاول أن يخبرنا بأن ننظر إلى ما بالداخل، ليس بداخل الصندوق كما في القصة، وإنما بداخل مكان أقرب من ذلك بكثير وهو: نفسك.
إذ من البلاهة - في هذا المنعطف الخطير الذي يجتازه الوطن - انتظار الحل والنجدة على يد هؤلاء الانقلابيين المناكيد؛ الذين يمارسون لعبة الإصلاح الضال؛ الذين نكصت الرجولة عنهم؛ إذ وافتهم فلم تجدهم رجالا؛ بل أصحاب أطماع وعقد نفسية لا يحلها إلا خروج أنفسهم.
ومن البلاهة - أيضا - انتظار الحل والمروءة والشجاعة والنجدة من شعب آخر؛ ليجعل الحاكم والحكومة طوع أمرنا؛ ذلك أن سنة الله في الحياة (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم).
وإن لم نفعل فلا نلم إلا أنفسنا؛ إذ ستكون حالنا هي هي بل أشد سوءا، ولن نملك أو نتجرأ - يومًا - على سؤال مَنْ حكمونا بالحديد والنار لقمة الخبز، أو ساعة أمن، أو عودة حق، وأنَّى هذا وكل واحد من هؤلاء المستبدين إن هو إلا جريمة تتحرك على الأرض؛ لتغتال عود الكفاح الثوري الأخضر الناعم الريان كان للثمر فيقولون له: كن للحطب.
فهم اللصوص بل أشد جرما؛ إذ سيئات اللصوص والقتلة كلها تُنسى وتتلاشى، ولكن سيئات هؤلاء تعيش وتكبر.
وحتى لو أطعمونا وامتلكنا ثروة مادية عظيمة؛ فلسوف نبقى فقراء؛ لأن أمامنا عوائق جبارة من داخل أنفسنا؛ ولأننا فرطنا بسيرنا في الطريق الخطأ، ولسوف يزال التفريط يتمادى حتى نسقط فريسة الظلم؛ يكسر عظامنا وينهش لحمنا؛ ذلك بأننا بحثنا عن التغيير من خارج أنفسنا ولم ينبع منها أولا؛ وما كان بالخبز وحده يحيا الإنسان، بينما نملك ما هو أثمن بكثير من ذلك ما لو أُتيح لأمة عزيزة لصارت في مصاف الكبار دنيا ودينا.
ولكن هيهات هيهات؛ فالحاكم الفرعون كارثة على شعبه؛ إذ يستمد بقاءه من الرهبة والظلم وسياسة الإفقار المتعمدة؛ ليضمن المغانم، ويجشم شعبه المغارم؛ ليدور حول نفسه أربعة وعشرين ساعة في متاهة جمهورية الخوف.
فلماذا نَقبل أو يُطلب منا هذه المقامرة وأن نتحمل نتائجها؟!!!
في حين أن العمل الأرشد والطريق المختصر هو استعادة المسار الديمقراطي؛ فهو الضمانة الحقيقية لنا جميعا؛ وهذا ما نطقت به الأمم بعدما - والكلام للشيخ الغزالي - "تعرضت لنزوات الساسة المستبدين، وقاست منهم مثل ما قاسينا أو أشد، واستطاعت أن تخلص منهم بالعزل أو الفتك؛ ثم وضعت دساتير تنظم العلاقات بين الشعوب والحكام تنظيما يمنع الظالم ويوصد الأبواب في وجوه لصوص السلطة، الذين يثبون على الشعوب بين الحين والحين؛ فيملكون زمامها ويعبثون بها كيفما شاء لهم الهوى". أ. هـ / معركة المصحف.
ولماذا لا ننتفع بتجارب الآخرين في مضمار تشابهت فيه الآلام وتوحدت فيه المصالح؟!!!
وصدق الله جل ثناؤه: (قد جاءكم بصائر من ربكم فمَنْ أبصر فلنفسه ومَنْ أساء فعليها  وما أنا عليكم بحفيظ) [سورة الأنعام: 104].
خلاصة القول: فلنتجاوز الماضي ولننقل النظر من الوراء إلى الأمام، وليس من الجهد ما يُهدر ولكن النجاح قد يتأخر (والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق