الأحد، 14 ديسمبر 2014

الحنين إلى العبودية بقلم: د. حسن فوزي

 الحنين إلى العبودية
بقلم: د. حسن فوزي
خلق الله الإنسان حرا كريما ، وفضله على كثير ممن خلق تفضيلا.. لم يجعل لأحد سلطانا عليه، إلا سلطان الشرع العادل، ولم يأمره بالخضوع لمخلوق يمتهن كرامته، أو ظالم يحتقر إنسانيته، وأراده أن يستمتع بحريته، فيتنسم عبيرها، ويجني ثمارها، ويذوق حلاوتها، ويرتشف عذبها، ويبتهج بنضرتها. بعيدا عن القهر والاستبداد، أو الذل والمهانة.
لكنني أرى كثيرا من بني قومي، وكأنهم ضاقوا بهذه الحرية ذرعا، فانقلبت حلاوتها في حلوقهم علقما مرا، واستحالت نضرتها في أعينهم هشيما يابسا، وأصبح عذبها ملحا أجاجا، وعبيرها كريها!
فأتساءل: كيف وصلنا إلى هذه الحال؟ هل الخنوع والخضوع كامن في جيناتنا، نَحِنُّ إليه بواقع قانون الوراثة؟ أم أنها أمراض توطنت من عصور القهر والتغلب المتطاولة؟
ألم يسأم المصريون من تسخير آبائهم وأجدادهم لبناء الأهرامات في الماضي السحيق، ثم العمل (سخرة) في قناة السويس في الماضي القريب، مرورا بإذلال الإقطاعيين، وانتهاء بثياب الهوان التي سربلهم بها العسكر؟
ألم تطرق آذاننا صيحة عمر رضي الله عنه: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟!
 أم لم نستشعر صرخة عرابي: لقد ولدتنا أمهاتنا أحرارا، ولن  نستعبد أو نورث بعد اليوم؟!
هل دبت فينا روح اليأس؟ أم سرت في عروقنا دماء الاستسلام؟
هل اعتدنا ألم السوط؟ أم أدمنا عيش المهانة؟
هل اعتدنا أن ندير ظهورنا لتضرب، أو نحنيها لتركب؟ أم انتكست فطرتنا عن طريق الحرية؟ وعجزت نفوسنا عن ثمن الكرامة؟
أم أننا موتى القلوب، وإن كنا صحيحي الأجساد .. ضعاف النفوس، وإن كنا أقوياء الأبدان؟!
ومن يهن يسهل الهوان عليه         ما لجرح بميت إيلام
فما أن تحطم صنم الاستبداد، حتى سرنا على خطى عبدة العجل من بني إسرائيل، الذين كتب الله عليهم التيه أربعين سنة، فهرعنا إلى صنم أكبر منه نشيده ونرفع بنيانه!! فصدق فينا قول القائل: لو أمطرت السماء حرية، لرأيت بعضهم يرفع المظلات خشية أن تدركه!
لقد نكلنا عن الحرية، فلم ننهض لتبعاتها، ونكصنا عن التضحية، فلم نرق  لبذلها..  لم تعلُ همتنا، ولم ترتفع هامتنا.
تهون علينا في المعالي نفوسنا    ومن يخطب الحسناء لم يغلها المهر
كيف سخرنا ممن كان يرانا أهله وعشيرته، وتهكمنا عليه، وثرنا في وجهه، وعندما خاطبنا هذا المغتصب بلغة السيد للعبيد، والمالك للقطيع، أظهرنا له الولاء والسمع والطاعة؟!
 كيف تركنا من قال سأعطيكم، وأقبلنا على من قال: (مفيش) ( هتدفع يعني هتدفع)
كيف نقبل ما يفعله بنا هذا الكذاب الأشر وذلك السفاح المبير؟!
لكنه صراع الإرادات: بين إرادة الحرية، والركون إلى الاستسلام؟
لا أعتقد أن هذا الجيل العظيم الذي أنجبته ثورة مصر سيرفع الراية البيضاء، أو ينكس رأسه!
لا أظن أن أفكار الشباب وطموحاتهم، وبذلهم وتضحياتهم ستخفت أو تموت!
 لا أتخيل أن الخوف والجبن الذي عاشه الآباء والأجداد سيسيطر على هذا الجيل!
وإن غدا لناظره قريب!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق