الثلاثاء، 17 يونيو 2014

البديل بقلم: عزة مختار



 البديل
بقلم: عزة مختار
أكثرنا من الحديث والانتقاد والتحليل وترتيب المشكلات وعرض الكوارث واستخدمنا كل وسائل التقريع، وربما الشتم، والاتهام.
أخطأ الإخوان، باع الإخوان، تخلى الإخوان، لم يكن من حق الإخوان، لو كان غير الإخوان، لو كان غير مرسي، تعجل الإخوان!.
هذا ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل لقد خاض بعض الإخوان أنفسهم في أنفسهم، تقريعا واتهاما وجلدا للذات.
وحين تنتقل لحيز آخر تجد لهجة أخرى، فمن مرسي الضعيف إلى مرسي الديكتاتور، ومن مرسي الذي أخون الدولة بكاملها، إلى مرسي الذي ترك دولة الفساد تتجذر أكثر وتعمل في الخفاء والعلن، حتى وصلنا إلى ما نحن فيه نتيجة الانقلاب الغاشم الذي خططوا له منذ اليوم الأول لولاية الرئيس، بل ومن قبل توليه الرئاسة.
ولست من هواة التبرير أو من أنصاره، ولكنني كذلك لست ممن يجلدون ذاتهم من أجل إرضاء الآخرين، ولكني سأحاول تفنيد تلك الدعاوى قدر استطاعتي لمجرد إحقاق الحق وتوضيح الصورة الكاملة.
كنت من هؤلاء العاتبين على جماعة الإخوان المسلمين لمشاركتهم بمرشح في الانتخابات الرئاسية، وقلت إن ظروف البلاد لا تحتمل ذلك، وكنت متأكدة أن الإخوان سوف يحصلون على الرئاسة، وذلك لقدرة التنظيم العالية في الحشد وتوجيه الشارع دون غيرهم، هذا أولا، وثانيا لدور الإخوان التاريخي الذي لا يخفى على الشعب المصري امتدادا لثورة الخامس والعشرين من يناير، وخاصة في يوم معركة الجمل والتي لولا صمود الإخوان فيها لسحقت الثورة المصرية وأبيد شبابها في ذلك اليوم، لكن شورى الإخوان قررت خوض الانتخابات بعد بحث كبير خارج صفوف الجماعة عمن يستطيع أن يتصدى لدولة الفساد ويحظى بدعم الجماعة في ذات الوقت، لكن كل من عرضت عليهم الأمر رفضوا رفضا قاطعا، وقد كان منهم المستشار حسام الغرياني.
وقد كانت الساحة وقتها مرعبة من حيث التفكير في بدائل عدم نزول الإخوان بمرشح، وقد أثبت الواقع ذلك، حين صعد الفريق أحمد شفيق إلى المركز الثاني بعدما وضعت الدولة كل إمكانياتها في خدمة ذلك المرشح، وقد كانت دولة الفساد ما زالت تقود، وتخطط، وتدبر، وتحاول باستماتة أن تعيد لها رأسا قويا يمثلها بعدما سقط رأسهم الطاغية مبارك في حين بقي الجسد قويا يتلاعب بالشعب في أحداث فوضوية يصنعها ليثبت أنه القادر وحده عل التخلص من تلك الفوضى.
وقد كانت حادثة محمد محمود وكشوف العذرية وسحل البنات وإستاد بورسعيد وتهريب السولار وصناعة الأزمات، كل تلك الأحداث كانت رسائل من الطرف الثالث الذي أسفر عن وجهه الحقيقي واسمه المجهول صراحة في بيان المجلس العسكري في الانقلاب.
إذًا فلم يكن هناك بد من أن يشارك الإخوان بمرشح وإلا كان البديل الوحيد لهم هو شفيق، وهو الذي يمثل عودة قوية وصريحة للعسكر مرة أخرى، وساعتها سوف يصير اللوم كله على الإخوان المسلمين باعتبارهم الفصيل الوحيد الذي يستطيع المواجهة أنه تقاعس عنها وسلم البلاد للفلول مرة أخرى.
وقد يتساءل البعض: ولم لم تدعم الجماعة أحد الإسلاميين وعلي سبيل المثال: لماذا لم تدعم أبو الفتوح؟ ورغم أن هذا شأن داخلي بهم فهم مصريون ومن حقهم كأي مصري أن يتقدم طالما أنه يجد في نفسه القدرة على القيادة وتحمل أعباء المرحلة، إلا أن الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح كان قد انشق عن الجماعة، وقد أثبتت الأحداث مدى تحامل الرجل عليها وهجومه الشديد وعدم حفظه ود السنوات، كذلك ضعفه - ولا أتحفظ على اللفظ بل أصر عليه - داخل حزبه رغم أنه رئيسه، كذلك ضعفه تجاه القضايا الكبرى، وقد تجلى كل ذلك وتبلور في مساندته للانقلاب وعدم وضوح الرؤية أمامه إلا بعد فوات الأوان مما يدل على أن الرجل ليس صاحب رؤية ولا فكر أصيل.
فماذا إذا دعمته الجماعة؟ أعتقد أن الانقلاب العسكري كان يتقدم عاما قبل موعده الذي تم فيه، ويوم الاتحادية خير شاهد على ذلك، فمن كان سيحمي القصر والرئيس ذاته إن لم يكن الإخوان أو من هم في مثل عددهم وقدرتهم التنظيمية.
تلك كانت النقطة الأولى.
أما الثانية: فقولهم إن مرسي الضعيف سلم البلاد للعسكر يعيثون فيها فسادا، ولم يحزم أمره، ولم يتخذ قرارا صائبا، وإن المرشد كان يحكمه من داخل مكتبه، وإنه الذي ترك الفرصة للفلول يعملون في العلن، وترك الإعلام يهاجمه بلا مبرر، وإبراز المشكلات المتراكمة منذ عشرات السنوات على أنها مسئولية الرئيس. فقد تمت أشرس وأبشع عملية دعاية مضادة ضد رئيس في العالم والعمل على إسقاطه بالهجوم والتسفيه من إنجازاته والتغطية عليها والتشويش على خطاباته وتحركاته، السفيرة الأمريكية تتحرك في القاهرة بمنتهي الحرية بين الأحزاب وما يسمي بجبهة الإنقاذ التي ضمت كل القوي الفاسدة في البلاد ثم تزامنت مع حركة التمرد الكبرى في البلاد، كل هذا والرئيس الضعيف لم يقدم شيئا ملموسا يواجه به كل تلك التحديات التي انتهت بأزمة طاحنة في الطاقة، واستفحل الأمر فامتد إلى أمن المواطن وحياته مما أغضب الشعب بقوة على تلك القيادة التي لا تستطيع مواجهة بضعة أفراد يتلاعبون بالوطن، وقد سمعتها بنفسي من أحد المواطنين وأنا أناقشه حول الرئيس الذي قدم لمصر في شهور ما لم يحدث في سنوات، فقال: الرئيس الذي تنتصر عليه مؤامرات، فمن فعلها أولى بالرئاسة منه!
وعلى الجانب الآخر كان الرئيس مرسي داخل القصر، يدرك منذ اللحظة الأول أنه حتى الحرس الشخصي له لا يدين له بالولاء، يدرك أن آلة الإعلام ليست في صالحه، فهي ملك خاص لرجال أعمال الدولة المباركية الذين عاشوا وتكسبوا من الفساد ولن يسمحوا أبدا بدولة العدل أن تنطلق، ولم يكن أمام الرئيس بدائل إلا أن يعمل وينجز بسرعة هائلة، فتوجه إلى الخارج يفتح علاقات قوية مع الدول الكبرى من منطلق العزة والكرامة والدولة الحرة الثائرة وتعاون معهم بمشروعات كبرى كان من الممكن أن تنقل مصر في غضون أعوام معدودة على اليد الواحدة لمصاف الدول المتحضرة، لكن الرئيس لم يكن يملك الآلة الإعلامية التي تنقل عنه وتصاحبه في كل كبيرة وصغيرة لتنقل صورة واضحة ومنصفة عن أدائه، فكان كالريشة في مهب الريح بين يد الإعلاميين.
لم تبدأ المؤامرة منذ ولاية مرسي فقط، وإنما بدأت منذ كتابة الإعلان الدستوري المكبل الذي وضعه العسكر قبل إعلان نتيجة الانتخابات، وذلك لضمان بقاء الأمر في أيديهم حتى يتسنى لهم التصرف، لكن الرئيس الذي أطلقوا عليه الضعف وعدم القدرة على إدارة البلاد استخدم حقه الدستوري في كتابة إعلان دستوري يحصن فيه قراراته كرئيس ينوب عن مجلس الشعب دستوريا حتى تتم الانتخابات التشريعية، فثارت ثائرة القوم وقاموا ولم يقعدوا، ولم يعد مرسي الرئيس الضعيف وإنما صار الديكتاتور.
أقال وزير الداخلية، وأقال النائب العام الذي كان العامل الأساسي في حماية دولة العسكر في حكم مبارك المخلوع، وضيع حقوق شهداء الخامس والعشرين من يناير، وميع القضايا حتى اقترب موعد إعلان براءة مبارك وإسناد كل التهم إلى الثوار.
إقالة طنطاوي وعنان في ملابسات لم تتضح رؤاها إلى الآن، ثم أمر بإغلاق بعض القنوات التي تقوم ببث الفتن في المجتمع المصري غير أن الأمر لم ينفذ.
عمل الدكتور مرسي من داخل القصر وسط جو من المؤامرة التي قام على تنفيذها العسكر وقاموا بحماية من ينفذ، وكان يوم الاتحادية يوما مشهودا، حيث كانت الخطة تصل إلى اغتيال الرئيس والاستيلاء على القصر وإعلان مجلس رئاسي، لولا استنفار الجماعة وارتقاء شهداء في ذلك اليوم لضاعت فكرة الرئاسة ولتم الإطاحة بكل رئيس قد يأتي من بعده.
القضية لم تكن الرئيس مرسي، بقدر ما هي قضية الحكم المدني ذي الطابع الإسلامي، الرئيس غير المرضي عنه من الغرب أو الشرق، الرئيس الذي فتح ملف العسكر والجيش والحد الأدنى والأقصى.
الرئيس مرسي وأي رئيس غيره ماذا كان سيفعل في دولة يحاربه فيها جيش وشرطة وقضاء وإعلام وأحزاب وحتى شعب مغيب منقاد لمن خانوه أزمانا طويلة.
لم يكن أمام الرئيس بديلا إلا أن يعمل في ظل تلك المؤامرات، وأن يحاول جاهدا أن ينقل مصر عالميا إلى خانة أخرى، ليؤجل الانقلاب العسكري عاما.
نقطة أخيرة، يقولون إن الرئيس أخطأ في أنه لم يصارح الشعب بما يحدث، هب أن الرئيس فعل، وقدم خطابا لشعبه قال فيه إن العسكر خونة، وإن الدولة العميقة تعمل بجد، وإنهم يعرقلون مشروعه، وإن صهاينة الشرق والغرب ينفقون المليارات لإسقاطه، هل كان الشعب سيصدق؟ هل كان العسكر سيقفون متفرجين؟ الشعب كان يرى المقرات تحرق، والاتحادية تقتحم، والشرطة أعلنت أجازتها أربعة سنوات، كل هذا ولم يكتشف الشعب بنفسه ما يحدث؟
رفقا بالرئيس الذي بذل ما لم يبذله غيره، رفقا بأنفسنا وقد دفعنا ثمنا باهظا نسأل الله أن يكون لنا لا علينا، رفقا بأجيال قادمة، ولا تزيفوا الأحداث فهم في حاجة للتعلم من تلك التجربة الثرية التي هي في نظري نقطة التحول العظمى في تاريخ ذلك الشعب، حتى يبدأ نهضته الحقيقية بوعي وباجتثاث لكل قوى الشر في المنطقة بإذن الله تعالى.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق