الثلاثاء، 1 أغسطس 2017

جزيرة الوراق ومصير الهنود الحمر! بقلم: عامر عبد المنعم

01/08/2017

جزيرة الوراق ومصير الهنود الحمر!

 

بقلم: عامر عبد المنعم

ما تتعرض له جزيرة الوراق من محاولات حكومية لتهجير السكان يكشف عن حجم المأساة التي يعيشها المواطن المصري، الذي يواجه حالة من تغول الشركات الأجنبية وأطماعها العمياء، وانحياز الحكومة للمستعمرين الجدد وتحولها إلى سمسار يسعى لبيع كل شيء دون أي اعتبار للإنسان المصري وحقوق المواطنة.

فوجئ سكان القرية الذين يتجاوز عددهم المائة ألف نسمة بحصار الجزيرة واقتحامها من كل الجهات لهدم منازلها، وبدون أي نقاش، وبدون الرد على أي استفسار عن سبب الهجوم بدأت عمليات الهدم بالقوة، فاعترض الأهالي بشكل تلقائي، وتظاهروا، فاضطرت القوة المهاجمة إلى الانسحاب أمام الغضب الذي اشتعل بعد قتل أحد شباب الجزيرة.

ما حدث في الوراق يذكرنا بما حدث للهنود الحمر، فالمهاجرون الذين أسسوا أمريكا استكثروا على الأمة الهندية أن تعيش معهم على الأرض الأمريكية، ونظروا إليهم باحتقار وكأنهم ليسوا بشرا، ورفضوا اقتسام الأرض معهم أو مشاركتهم في الإقامة عليها فكانت عملية الإزاحة والطرد التي تطورت إلى الإبادة والقتل.

التشابه بين الهنود الحمر وسكان جزيرة الوراق هو أن الطرف الذي يريد الاستيلاء على الأرض جهة واحدة (شركات الرجل الأبيض)، فالذي قتل الهنود الحمر هم المهاجرون الأوائل إلى الولايات المتحدة، والذين يريدون الآن الاستحواذ على جزيرة الوراق شركات أمريكية ومستثمرون أجانب ووكلاؤهم، ومعظمهم مرتبط بالماسونية العالمية.

تفضح التصميمات الهندسية المعلنة لجزيرة الوراق من يقف خلف عملية السطو بدعم حكومي، فالتصميمات تشير إلى بناء أكبر مجسم لرمز الماسونية في العالم " عين حورس" ، وهذا واضح في مشروع تطوير الجزر النيلية الذي اعتمدته هيئة التخطيط العمراني ووزارة الإسكان وموجود بالتفصيل في مشروع القاهرة 2050 الذي اعتمد رسميا وتبناه جمال مبارك ولجنة السياسات في 2010.

والتصميم الذي أعدته شركة هندسية بالإمارات عام 2013 ورفضت الإفصاح عن الجهة التي طلبته، لا يختلف عن التصميم الأصلي في إبراز الرمز الماسوني، وإن اختلف في شكل المباني فهو يجعل العين الماسونية في الطرف الشمالي للجزيرة بصورة أخرى أكثر وضوحا، مع ملاحظة أن الإمارات هي المنفذ لكل المشروعات الصهيونية بالمنطقة.

الجهة الماسونية التي تقف خلف إخلاء جزيرة الوراق وتهجير أهلها هي التي وضعت مخططات تطوير القاهرة وإخلاء منطقة وسط العاصمة من السكان وطرد الحكومة منها، للتمهيد لإسرائيل الكبرى، وتريد أن تكون بدايتها بالرمز الماسوني في وسط النيل، في الجزيرة التي ستنقل ملكيتها للشركات الأجنبية الصهيونية والغربية.

هل إزالة العشوائيات أولوية؟
تبرر الحكومة قرارها بإخلاء جزيرة الوراق بالقضاء على العشوائيات، وكأن هذا الموضوع له أولوية في وقت ينهار فيه الاقتصاد، ويعيش فيه المصريون في مرحلة صعبة من تاريخهم حيث تخلت الدولة عن مسؤولياتها، وسلمت إدارة الاقتصاد لصندوق النقد الدولي الذي حول حياة الشعب إلى جحيم بقرارات إلغاء الدعم، والتهيئة لتسليم الشركات الأجنبية ما تملكه وتديره الحكومة.

لو كانت الدوافع وطنية وللصالح العام لقامت الدولة بمشاركة سكان الجزيرة في التخطيط، ولاحترمت حقهم كمواطنين في أن يبقوا في المكان، ولقدمت لهم مبررات مقنعة وبدائل منصفة عادلة، ولكن في كل حملة لإزالة مساكن الجزيرة تصطدم الحكومة بالأهالي، وفي كل مرة لا تقل لهم السلطة شيئا، ولا تفصح عن نيتها ولا تعرض لهم حلولا، والشعار الوحيد المعلن هو تهجير السكان وإخلاء الجزيرة!
هذه الرؤية الاستغلالية التي تظهر الحكومة كخادم للأجنبي دون أي تقدير للعنصر البشري تسيء إلى الدولة المصرية وتصورها بأسوأ أشكال التبعية للمحتل، فلا يوجد حكم وطني يتفاخر بطرد المواطنين إلى المجهول بهذه الطريقة، ولا توجد سلطة تحتقر مواطنيها وتشردهم من ديارهم لأنهم فقراء!

بيع الأرض للأجانب
من الواضح أننا أمام ظاهرة جديدة على المجتمع المصري، وهي تحول الحكومة إلى سمسار عقاري لم يعرف التاريخ المصري مثله، فمنذ أيام الفراعنة لم نر عمليات بيع الأراضي المصرية على النحو الذي نراه الآن، بل أصبح محور نشاط الحكم الحالي هو بيع الأراضي والجزر.

لا توجد خطط للتنمية، ولا توجد نية لزيادة الإنتاج الصناعي والزراعي؛ فلم نسمع عن بناء مصنع واحد لإنتاج سلعة، ولم نسمع عن تأسيس مزرعة واحدة لزراعة القمح استعدادا للمجاعة القادمة، والنشاط الوحيد الذي نشاهده هو بيع الأراضي، ولم تكتف الحكومة ببيع أراضي الدولة وإنما راحت لتنتزع الأراضي التي يمتلكها المواطنون لبيعها.

ومن الكوارث القومية ما قامت به الحكومة مؤخرا بالاستيلاء على آلاف الأفدنة من الأراضي المستصلحة في الظهير الصحراوي، وليت الحكومة قررت الحفاظ على ما عليها من المزروعات لسد الفجوة الغذائية التي نعاني منها، ولكن تم تدمير الآبار وحرق المزارع وتم انتزاع أراضي المصريين من أجل بيعها للشركات الأجنبية، وقد أدى هذا التدخل الغشيم إلى تبوير مساحات شاسعة أنفقت عليها المليارات وتوقف حركة الاستصلاح الأهلي تماما.
تهجير المواطنين جريمة
يصاحب انتزاع الأراضي وبيعها وجود ظاهرة تهجير السكان، فالملاك الجدد يرفضون وجود السكان الأصليين ولا يتحملون رؤيتهم بجوارهم، وهذا السلوك غريب على مجتمعاتنا الإسلامية، وهو مرتبط بالرأسماليين الغربيين الذين لم يكتفوا بما فعلوه في القارة الأمريكية وأستراليا وجاءوا إلينا ليفرضوا في بلادنا العنصرية في أسوأ صورها!

هذا النوع من التمييز العنصري والطبقي قد يكون ممكنا في القرى السياحية التي تقام على أراضٍ خالية من السكان، أو في مدن جديدة مبنية لخدمة طبقة مترفة، لكن أن يطمعوا في بلدة آمنة مطمئنة أو جزيرة يسكنها البسطاء ويتعاملون معهم مثل الهنود الحمر فهذا ما لا يقبله المجتمع.

إذا كانوا يتصرفون بعقيدة عنصرية في بلادهم فليس من المقبول أن نقبل أن يستنسخوا تجاربهم في بلادنا، ولسنا بلهاء كي يقال لنا إنهم سيحولون الجزيرة إلى مانهاتن أو الزمالك الجديدة، فبناء حدائق وأبراج على جماجم البسطاء ليس عملا جيدا يستحق الفخر، والوعود ببناء منتجع سياحي وجلب الاستثمارات الأجنبية مقابل سحق الإنسان ومن يستهينون بكرامة المواطنين البسطاء ليسوا وطنيين مصلحين.
***

تسهم هذه الممارسات الانتهازية اللا أخلاقية في تفكيك الدولة، وتزرع الكراهية وتقسم المجتمع، والأخطر أنها تفقد الناس الانتماء، فالإنسان هو محور التنمية، ولا إصلاح إذا لم يكن لخدمة المواطن، فالدولة وجدت أصلا لخدمة مواطنيها وليس لتهجيرهم وتهديدهم بالقتل إذا لم يستسلموا للغزاة الجدد ويقبلوا بالخروج من ديارهم وأرضهم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق