الخميس، 27 أغسطس 2015

محمد مهدي عاكف بقلم : سليم عزوز


محمد مهدي عاكف
بقلم : سليم عزوز


27 أغسطس 2015 -



أفلتت مني ضحكة تفتقد لسبق الإصرار والترصد، وأنا أقرأ للإعلامي "عبد الله الماحي"، وهو يذكر سلطة الانقلاب بدور المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين السابق "مهدي عاكف"، في مواجهة قوات الاحتلال الإنجليزي لمصر!.

ليس عندي علم بدور الرجل في مواجهة المستعمر البريطاني، لكن ما أضحكني أن "الماحي" لم يجد ما يستدر به عطف جلادي العصر في مصر، إلا هذا الدور الوطني، وبينما كنت أقرأ ما كتب، قفزت الحكاية الشعبية الشهيرة عن "الناس التانيين" إلى سطح الذاكرة!

إذ يروي أن شخصاً وقع في قبضة "عصابة" لتسأله إن كان معهم أم مع "الناس التانيين"؟، فلما أكد بانتهازية أنه معهم، كانت المفاجأة التي وقعت على رأسه كالصاعقة، عندما أخبروه أنهم "الناس التانيين"!. فقد ظن الزميل "الماحي" لفرط سماحته، أن الحكم في مصر حكم وطني على نحو سيدفعه بمجرد التذكير بهذا الدور العظيم لمهدي عاكف، لإعلان اعتذاره على الملأ، وقد يستدعيه عبد الفتاح السيسي إلى بيته ليتناول معه الغداء، كما كان يفعل السادات مع السياسيين والصحفيين الذين يستدعيهم لزيارته في منزله. وبالمرة كنا سنعلم أين يقيم السيسي، فهو "الرئيس الوحيد" في تاريخ مصر الذي ينطبق عليه قول العندليب الأسمر: "وحبيبة قلبك يا ولدي ليس لها عنوان"، مع الوضع في الحسبان استخدام صيغة "التذكير" مع هذا المقطع!.

ومن حسن الحظ، أن الانقلابيين لم ينتبهوا إلى ما كتبه "عبد الله الماحي"، فلو انتبهوا فربما اعتبروا في "عاكف" صيداً ثميناً، يمكن أن يتقربوا باعتقاله للإنجليز، والسيسي يستعد لزيارة بريطانيا، بدعوة من رئيس وزرائها. وما يكشف أن القوم هم "الناس التانيين"، أنهم عندما أرادوا تحريض البريطانيين على إصدار قرار بوضع الإخوان على قائمة الإرهاب، جعلوا من دور الإخوان في مقاومة الاحتلال الانجليزي على مصر دليلاً على كونهم جماعة إرهابية، في تصرف ينحدر إلى "الخيانة الوطنية"!.

مهدي عاكف، عمره من عمر جماعة الإخوان المسلمين، فهو من مواليد سنة 1928، وكان يمكن للدهشة أن تستولي على كاتب هذه السطور لاعتقال رجل يبلغ من العمر الآن 87 عاماً، لولا أني تذكرت الأطفال والنساء الذين اعتقلهم الانقلاب العسكري بتهمة العمل على قلب نظام الحكم، وكثير منهم جرى اعتقاله لحمله "شارة رابعة"، التي يتم النظر إليها على أنها صاروخ أرض جو، تمثل دليل اتهام على العمل المسلح!.

الشيخ "مهدي عاكف" مريض، ومن في سنه وظروفه الصحية يستحق عفواً، وإن صدر حكم قضائي بإدانته وسجنه، وليس محبوساً في قضية "فشنك"، وهي الخاصة بالتحريض على قتل المتظاهرين في أحداث مكتب الإرشاد، فهذا الحادث أتذكر تفاصيله جيداً، إذ كان الإخوان مجنياً عليهم فيه، وكان هدف المظاهرات الاعتداء على مقر الجماعة، وقد نقلت الفضائيات التي استعدت لهذا الحدث التاريخي، وهذه الغزوة العظيمة، ما جرى على الهواء مباشرة، وسط احتفال كبير بدماء عناصر الإخوان وهي تنزف، والذين لم يكونوا قد ذهبوا إلى أحد ولكن المعتدين هم الذين قاموا بالهجوم على مقر الجماعة، مع غياب كامل لأجهزة الأمن، وهو غياب كان يستهدف تمكين المعتدين من إيقاع هزيمة بالإخوان!.

لقد شاهدنا عبر الشاشات دماء عناصر الجماعة، وكان المعتدون هم من القوى المدنية، ونُقلت صورة لحازم عبد العظيم عضو الحملة الانتخابية لعبد الفتاح السيسي بعد ذلك، وهو يحمل حجراً في يده، وظهر بعد ذلك في غاية السعادة بدوره النضالي على الجبهة كما لو كان من "أطفال المقاومة"!.

تذكري لهذا اليوم، أنه شهد وضعي للدكتور البرادعي وكنت من مؤيديه في إطاره الصحيح، بعد أن ذهبت السكرة وحلت الفكرة، وتبين أنه يكيل بمكيالين عندما يبدو في مواقف أخرى حزيناً على الدم المصري، ويتجاهل هذه الدماء الآن لأنها دماء خصومه السياسيين، المراق بأيدي أنصاره، وطالبته أكثر من مرة عبر مواقع التواصل الاجتماعي بإدانة ما يجري ولما لم يفعل، فقد نفضت يدي منه!.

ما علينا، فما أردت قوله، أننا أما قضية ليست حقيقية، استهدفت التنكيل بالمتهمين فيها، ومن بينهم "مهدي عاكف" المتهم بالتحريض على قتل المتظاهرين "السلميين"، على نحو كاشف بأن نية التنكيل متوفرة ضد رجل يبلغ من العمر 87 عاماً، ومريض بالكثير من الأمراض، التي تجعل من سجنه لا مبرر له!.

فماذا فعل الشيخ "عاكف" ليكون عرضة لدوافع الانتقام لدى قائد الانقلاب؟!

لقد علمنا أن الرجل كان ضد ترشيح الدكتور محمد مرسي داخل الجماعة، وربما كان من الأصوات التي رأت عدم منافسة الجماعة على موقع الرئيس، وهو رجل شجاع لا يناور، ولا يعرف اللف والدوران. ووصف الشجاعة ليس أمراً عارضاً بسبب ظروف سجنه، فقد كتبت أكثر من مرة قبل ثورة يناير وإبان توليه منصبه وقلت إنه أشجع من تولى منصب المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين، فالذي في قلبه على لسانه، ولم نر له خطابين أحدهما داخل التنظيم والثاني لوسائل الإعلام!.

وقد قاد "عاكف" عملية التقارب مع الأحزاب والقوى الأخرى، فترأس وفداً من مكتب الإرشاد لزيارة مقار الأحزاب السياسية وفتح حوارا معها، عندما تولى موقع المرشد العام للجماعة. وضرب مثلاً مهماً في تركه منصبه بعد انتهاء دورته، ليكون في تاريخ الجماعة لأول مرة مرشداً عاماً سابقاً، لا راحلاً!.

وصفة الشجاعة تحلى بها منذ شبابه، وقد حُكم عليه بالإعدام وخفف الحكم في وقت لاحق، لأنه قام بتهريب اللواء عبد المنعم عبد الرؤوف عندما انقلب عليه ضباط يوليو، مع أنه منهم، وكان هو صاحب اقتراح طرد الملك بعد قيام ثورة 1952 وصاحب خطة حصار قصر رأس التين، وحمله على مغادرة مصر، ولم يكن هذا مطروحاً على جدول أعمال الثوار. وكان عبد المنعم عبد الرؤوف من الإخوان المسلمين.

فماذا فعل "عاكف" ليوغر صدر عبد الفتاح السيسي ويجعل من موته البطيء في السجن هدفاً، لأن معنى وضعه في السجن مع تقدمه في العمر، ومنع الزيارة عنه، ومنع الأدوية، أن قراراً بقتله قد صدر، ولن نفاجأ لو استيقظنا ذات صباح على خبر موته داخل محبسه، لاسيما وأنه ليس صاحب قرار مؤثر إذا خرج من السجن، ولم يعد في سن أو في حالة صحية تسمح له بالمواجهة.

إنها شهوة الانتقام، والرغبة في التنكيل، وربما كانت سوابق الرجل في ساحات الشجاعة، جعلت هناك رغبة في كسره، ممن كان يبالغ في الانكسار في مواجهة الرئيس محمد مرسي.

فهل يدفع "عاكف" ثمن تاريخ غيره الحافل بمشاهد الانكسار والخنوع؟!
........................
صحيفة "الراية"

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق