المفكر الإسلامي الدكتور محمد عباس
- حــــمْـــلُ سِـــفـــــــاحْ
=============
كان ذلك في بداية الثمانينيات.. وكنت واحدا من أوائل الأطباء الاستشاريين الذين مارسوا العمل على أجهزة الموجات الصوتية الحديثة آنذاك.. حيث يتسم وضوح صور هذا الفحص وكفاءتها باعتماد الفحص على خبرة الفاحص أكثر من اعتماده على كفاءة الجهاز : (Operator dependant) كما هو الأمر الآن.
وذات يوم جاءتني مريضة لفحصها.. و بعد فحصها هنأتها.. فقد كانت حاملا في الشهر الرابع.. وفوجئت.. بل وذهلت بدفعة من الشتائم البذيئة السوقية التي تتهمني بالجهل وبالتخلف وبالقذف في أعراض الشريفات.
بدا فم المرأة كمدفع رشاش سريع الطلقات أو قاذفا صاروخيا يطلق آلاف الطلقات في الدقيقة الواحدة.
...
بعد صدمة المفاجأة أدركت السبب..
لم تكن المرأة متزوجة. وفي عنفوان هياجها بدت كنمرة متوحشة توشك أن تنقض عليّ لتفترسني وقعت عيناها على شاشة الجهاز.. كان الجنين ماثلا أمامها وكأنه يوجد في الواقع وليس على شاشة الجهاز.. بل بدا بوضوح وهو يحرك يديه وقدميه ويرضع بشفتيه الصغيرتين إبهام يده. انقطعت كهرباء الهياج عن المرأة فجأة. بدت كجهاز تلفاز تجمدت الصورة عليه فجأة بسبب خلل ما تجمدت الصورة دون صوت ودون حركة كآلة عرض سينمائي توقفت عن الدوران.. أصابها الخرس المرأة.. انعقد لسانها وتجمد بصرها على الشاشة.. كان الدليل واضحا بأكثر مما تتصور.. مفحما بأكثر من قدرتها على المكابرة..
لمحت في النظرة المتجمدة لمحة عار.. وومضة نار .. وصورة خزي.. ورجفة همّ عميق يكاد ينطق بالتساؤل كيف ستواجه الأيام العصيبة التالية. كيف تواجه الناس بالعار دون حجة .. العار الذي كان مستترا ثم تجسد بأوضح ما يكون وأجلى ما يكون وأشد ما يكون فضيحة.. لم أنطق بكلمة.. ولم تنطق هي أيضا.. وخيم الصمت الثقيل.. الصمت المدوي..الصمت الناطق.. الصمت الذي يعلو صوته عن كل صوت.. صمت يحول الهواء إلى شيء لزج ثقيل يزداد ثقلا دقيقة بعد دقيقة بل ثانية بعد ثانية فيبدو كشمع منصهر يتجمد شيئا بعد شيء فيحنط الذباب داخله.. بدت المرأة ساعتها كذبابة تحاصر.. بل كذبابة اكتمل حصارها.. وأسوأ ما في الأمر.. أنها حين تتحنط لا تموت.. بل تضل حية.. تسمع وترى وتحس وتتألم وتخزى ويحاصرها العار لكنها مشلولة لا تستطيع الحركة .
صمتت المرأة..
صمتت تماما..
الغريب.. أننى بين ومضات العار في عينيها أحسست أنها لا تريد أن تتخلص من عارها أو أن تتوب..
بدا أنها تحب عارها وأنها تفكر كيف توفق أمورها كيف تتوافق مع عارها..
انتهى الفحص ونهضت المرأة وبدا لبرهة أن الواقع عندها تحول إلى كابوس وأنها تستيقظ لتتساءل هل هو واقع أم مجردكابوس.
***
علقت الحادثة بوجداني.. ليس لندرتها - فهي للأسف غير نادرة - .. ولكن تجمع الملابسات من وقاحة المرأة إلى قوة الدليل إلى سرعة الخرس تضافرت لتعطي الواقعة طعمها الخاص الذي يجاوز الواقعة ويصبح كالرمز الذي تستدعيه مشاعري في مواقف تبدو في الظاهر منقطعة الصلة به.. لكنها في الأعماق.. في أعمق الأعماق.. تحمل ذات سماته النفسية. حتى أنني أستعيد الواقعة مع نشرة أخبار.. أو ندوة.. وأستعيد ملامح المرأة مع رئيس أو ملك.. وبذاءتها مع يساري علماني..
كنت أستعيد هذه الملامح مع ملامح تاوضروس وشيخ الأزهر ..
وكنت أستعيد مع الملامح قول سيدنا عبد الله عيسى عليه من ربه وإلهه وخالقه ومولاه السلام : لقد جعلتم من بيوت الله مغارة لصوص..
***
كنت أستعيدها مع عمرو موسى وقد بدت سمعته ونخوته القومية كشرف تلك المرأة شعار زائف..
كنت أتخيلها مع هيكل الذي لم يحمد الله على أن ستره تسعين عاما فأصر على أن يفضح نفسه بحمل السفاح : بالانقلاب..
كنت أتخيلها مع الببلاوي وحسام عيسى ومصطفى حجازي ومع المجلس العسكرى..
كنت أرى طفل السفاح وقد تحول إلى غول هائل في مدينة الإنتاج الإعلامي .. حيث يتجسد الكابوس ويطار الداعرون والداعرات الشرفاء والشريفات فيرجموهم حتى الموت!!
وددت لو يغيروا اسمها إلى مدينة التزوير الإعلامي .. أو مدينة الإنتاج المخابراتي ..
كنت أستعيد واقع تلك المرأة مع ياسر برهامي وغلمانه..
كنت أتوقع أن يجللهم العار ويشلهم الخزي ويحنطهم الدليل كما يحنط الشمع المتجمد ذبابة فلا تموت ولا تحيا لكنها تسمع وترى وتتألم ..
امرأة السوء خجلت عندما أفحمتها الحجة وحاصرها الدليل..
أما هم فلم يخجلوا.. ولم يصمتوا..
فما أشرف امرأة السوء!!..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق