أشرف أهل الأرض:
==========
جاءتني هذه الرسالة:
د.محمد على :
وحشتنا والله يادكتور لقد رايتك فى رابعة وانت تجلس مع اصدقائك امام العماره التى اسكن فيها وسلمت عليك مره وحاولت معك ان تشرفنى ولكنى لم احظى بهذا الشرف بارك الله فيك وفى عمرك وجعلك زخرا للاسلام
-------------------
كانت أياما لا تنسى..
وكانوا أشرف أهل الأرض..
سبعة آلاف شهيد ولم يحاول واحد منهم أن يطرق بابا أو يلجأ إلى حماية..
لو أنهم كسروا الأبواب واقتحموا الشقق والمحلات ليحتموا بها لجاز ذلك لهم..
لم يكسروا..
ولا حتى طرقوا..
كانوا صائمين..
وأذن المغرب وزخات الرصاص تصطادهم..
لم يستبحوا أخذ زجاجة ماء من الأكشاك التي هرب أصحابها (أظنهم كانوا مخبرين) إلا بعد فتوى أحلت لهم أخذ ما يحتاجون إليه بعد أن يضعوا ثمنه في الكشك.. بعضهم تعفف ولم يبح لنفسه ذلك إلا بعد أن أوصى صديقا أو قريبا بأن يتوجه إلى الكشك إذا ما استشهد ليدفع ثمن ما أخذه.
كانت آخر كلمات شاب شهيد بعد أن أصيب إصابة قاتلة وهو يهاتف صاحبة:
- أنا مدين بثلاثة جنيهات لـ: سلفني : موبينيل.. إياك أن تنسى أو تهمل.. لابد أن تدفعها..أشهد أن لا إله إلا الله.. وأشهد أن محمدا رسول الله.. وأسلم الروح..
***
أذكر الأستاذ محمد على..
كان الرصيف الذي جلست عليه أفخم من أي مكان زرنه في حياتي بما في ذلك قصور الملوك. على الأرصفة هناك جلس أشرف أهل مصر.. من أفقر من فيها إلى أغنى من فيها.. من الأميين إلى حملة أعلى الشهادات..
والقارئ العزيز فعلا دعاني وشكرته رغم أنني كنت في أشد الحاجة إلى ضيافته..
كان الناس كأنهم سكان الجنة..
الدماثة والكرم والعبادة والدعاء والصلاة والصيام..
كنت أعاني من الإلحاح على دعوات الإفطار.. والسحور.. وما بين الإفطار والسحور..
وكنت كمثل من هم في عمرى أتبع نظاما خاصا في الطعام والشراب كي أحتفظ بوضوئي أطول مدة ممكنة.
وكانت الضرورات الطبيعية مشكلة حلها كل واحد بطريقته في كبرياء ونبل وصمت.. وبمشقة هائلة..
***
بواب أمين في فيلا صاحبها غائب قرر أن يؤجر الحمام بالدقيقة.. بعد أسبوعين تجمع لديه عشرون ألف جنيه..
كان البواب سعيدا بتحقيق هذا الربح لصاحب الفيلا.. لكنه فوجيء به عند عودته يغضب غضبا شديدا .. ويأمره بشراء إفطار للصائمين بالمبلغ كله.. وأمره أيضا أن يترك الحمام للمعتصمين. ليل نهار..
***
فوجئت بالرجل الصعيدي يقول:
- يا بوي.. أنا حاسس زي ما أكون بأحج.. دي زي مكة بس من غير كعبه..
كنت أحس إحساس الرجل.. وكنت مندهشا لذلك.. ولا أملك تفسيرا له..
***
سوف تظل البشرية مئات الأعوام وربما آلاف الأعوام تستلهم دروس وأسرار رابعة.. مثل أهل الأخدود.. كانت نهاية عصر كفر وبداية عصر إيمان.. وكان لابد لأهل الأخدود أن يشقوا طريق الإيمان باستشهادهم..
حرّقوا كما حرّق أهل رابعة!!
وكذلك فعل أهل رابعة.. ربما بعد مائة عام وهم يراجعون التاريخ يذكرون أن اللبنة الأولى في دولة الخلافة الراشدة وضعت في رابعة..
نعم..
كانت رابعة هي الفاروق..
وكانت الفارقة والكاشفة والحالقة..
هل لاحظتم هذا؟
الآن بعد شهور أتأمل الموقف وإحساسي به في ضوء آخر.. كان الله يصطفي شهداءه.. صلوا وصاموا وقاموا وخرجوا في سبيل الله دون أمل إلا في إعلاء كلمة الله أو الشهادة.. اصطفاهم الله للدرجة الأعلى..
أرى الآن وجها لم ألحظه أيامها.. في مكة والمدينة تكون القداسة والهيبة والجلال لبيت الله الحرام.. للكعبة.. للحرم النبوي.. للروضة الشريفة.. للتاريخ.. للأرض.. و..و..و..
لكن..
في رابعة..
كان طوفان الأحاسيس يتعلق أساسا بنبل البشر.. بتفانيهم.. بإيثارهم.. بحرصهم على اقتناص الاستشهاد.. كان مجتمعا ملائكيا لم أر مثله في حياتي أبدا..
لم أسمع أحدا أبدا -ولم يخطر ببالي- أن يسأل أحد أحدا إن كان من الإخوان المسلمين.. كانوا جميعا مسلمين.. مسلمين فقط.. ولو أن أحدا سأل أحدا هذا السؤال لكان نابيا وفظيعا. بل كان هناك غير مسلمين وكانوا يقابلون بترحاب أضعاف المسلمين!
كانت الشيء المذهل يقبع في البشر..
في مكة والمدينة لا يكاد المرء يحس بالبشر حوله..
أما هنا فيغرقك طوفان نبل البشر..
وكانت النائحات المستأجرات على الفضائيات طوفانا من الأكاذيب لكي تشوههم.. ولم يكونوا يأبهون.. بل كانوا يتناولون ذلك بأريحية ومرح دون حتى سخرية..
-إلى أين تذهب؟
- إلى الكرة الأرضية تحت المنصة..
أو:
- ماذا تفعل:
أخصب اليورانيوم.. أقصد أخصب الفول بالزيت..
***
لولا رمسيس لمت كمدا من أجل رابعة..
خيم عليّ شعور خاطيء بأن الناس في رابعة ماتوا غدرا وغيلة.. وأنهم ظلوا في أماكنهم لأنهم لم يتخيلوا أبدا أن يكون هناك سفاح مجرم يجتاح رابعة.. وأنهم استشهدوا لأنهم لم يحسبوا الأمور حسابا صحيحا وكانوا يثقون في بقايا بشرية عند وحوش الانقلاب المفترسة.. وأنهم أخذوا على حين غرة متوهمين أن الأمر سيكون مثل مذبحة الساجدين أو المنصة ثم تعود الذئاب والثعالب أدراجها..
لهف قلبي عليهم..
كدت أموت قهرا..
لكن بعد أقل من 48 ساعة جاءت الملايين إلى رمسيس..
يا قلبي..
يا كبدي..
جئتم اليوم تتحدون وتشتشهدون وتتحدوا الطائرات المجرمة التي سلطها المجرمون أن تقصفكم بما لم يجرؤوا أبدا أن يقصفوا به إسرائيل.. تحديتم الموت وطرتم شهداء إلى الجنة..
رأيت أجنحتهم فيها ترفرف..
لم تموتوا غيلة وغدرا إذن..
بل استشهدتم مع سبق الإصرار والترصد..
طلبتم ونلتم وفزتم..
يا أشرف أهل الأرض..
==========
جاءتني هذه الرسالة:
د.محمد على :
وحشتنا والله يادكتور لقد رايتك فى رابعة وانت تجلس مع اصدقائك امام العماره التى اسكن فيها وسلمت عليك مره وحاولت معك ان تشرفنى ولكنى لم احظى بهذا الشرف بارك الله فيك وفى عمرك وجعلك زخرا للاسلام
-------------------
كانت أياما لا تنسى..
وكانوا أشرف أهل الأرض..
سبعة آلاف شهيد ولم يحاول واحد منهم أن يطرق بابا أو يلجأ إلى حماية..
لو أنهم كسروا الأبواب واقتحموا الشقق والمحلات ليحتموا بها لجاز ذلك لهم..
لم يكسروا..
ولا حتى طرقوا..
كانوا صائمين..
وأذن المغرب وزخات الرصاص تصطادهم..
لم يستبحوا أخذ زجاجة ماء من الأكشاك التي هرب أصحابها (أظنهم كانوا مخبرين) إلا بعد فتوى أحلت لهم أخذ ما يحتاجون إليه بعد أن يضعوا ثمنه في الكشك.. بعضهم تعفف ولم يبح لنفسه ذلك إلا بعد أن أوصى صديقا أو قريبا بأن يتوجه إلى الكشك إذا ما استشهد ليدفع ثمن ما أخذه.
كانت آخر كلمات شاب شهيد بعد أن أصيب إصابة قاتلة وهو يهاتف صاحبة:
- أنا مدين بثلاثة جنيهات لـ: سلفني : موبينيل.. إياك أن تنسى أو تهمل.. لابد أن تدفعها..أشهد أن لا إله إلا الله.. وأشهد أن محمدا رسول الله.. وأسلم الروح..
***
أذكر الأستاذ محمد على..
كان الرصيف الذي جلست عليه أفخم من أي مكان زرنه في حياتي بما في ذلك قصور الملوك. على الأرصفة هناك جلس أشرف أهل مصر.. من أفقر من فيها إلى أغنى من فيها.. من الأميين إلى حملة أعلى الشهادات..
والقارئ العزيز فعلا دعاني وشكرته رغم أنني كنت في أشد الحاجة إلى ضيافته..
كان الناس كأنهم سكان الجنة..
الدماثة والكرم والعبادة والدعاء والصلاة والصيام..
كنت أعاني من الإلحاح على دعوات الإفطار.. والسحور.. وما بين الإفطار والسحور..
وكنت كمثل من هم في عمرى أتبع نظاما خاصا في الطعام والشراب كي أحتفظ بوضوئي أطول مدة ممكنة.
وكانت الضرورات الطبيعية مشكلة حلها كل واحد بطريقته في كبرياء ونبل وصمت.. وبمشقة هائلة..
***
بواب أمين في فيلا صاحبها غائب قرر أن يؤجر الحمام بالدقيقة.. بعد أسبوعين تجمع لديه عشرون ألف جنيه..
كان البواب سعيدا بتحقيق هذا الربح لصاحب الفيلا.. لكنه فوجيء به عند عودته يغضب غضبا شديدا .. ويأمره بشراء إفطار للصائمين بالمبلغ كله.. وأمره أيضا أن يترك الحمام للمعتصمين. ليل نهار..
***
فوجئت بالرجل الصعيدي يقول:
- يا بوي.. أنا حاسس زي ما أكون بأحج.. دي زي مكة بس من غير كعبه..
كنت أحس إحساس الرجل.. وكنت مندهشا لذلك.. ولا أملك تفسيرا له..
***
سوف تظل البشرية مئات الأعوام وربما آلاف الأعوام تستلهم دروس وأسرار رابعة.. مثل أهل الأخدود.. كانت نهاية عصر كفر وبداية عصر إيمان.. وكان لابد لأهل الأخدود أن يشقوا طريق الإيمان باستشهادهم..
حرّقوا كما حرّق أهل رابعة!!
وكذلك فعل أهل رابعة.. ربما بعد مائة عام وهم يراجعون التاريخ يذكرون أن اللبنة الأولى في دولة الخلافة الراشدة وضعت في رابعة..
نعم..
كانت رابعة هي الفاروق..
وكانت الفارقة والكاشفة والحالقة..
هل لاحظتم هذا؟
الآن بعد شهور أتأمل الموقف وإحساسي به في ضوء آخر.. كان الله يصطفي شهداءه.. صلوا وصاموا وقاموا وخرجوا في سبيل الله دون أمل إلا في إعلاء كلمة الله أو الشهادة.. اصطفاهم الله للدرجة الأعلى..
أرى الآن وجها لم ألحظه أيامها.. في مكة والمدينة تكون القداسة والهيبة والجلال لبيت الله الحرام.. للكعبة.. للحرم النبوي.. للروضة الشريفة.. للتاريخ.. للأرض.. و..و..و..
لكن..
في رابعة..
كان طوفان الأحاسيس يتعلق أساسا بنبل البشر.. بتفانيهم.. بإيثارهم.. بحرصهم على اقتناص الاستشهاد.. كان مجتمعا ملائكيا لم أر مثله في حياتي أبدا..
لم أسمع أحدا أبدا -ولم يخطر ببالي- أن يسأل أحد أحدا إن كان من الإخوان المسلمين.. كانوا جميعا مسلمين.. مسلمين فقط.. ولو أن أحدا سأل أحدا هذا السؤال لكان نابيا وفظيعا. بل كان هناك غير مسلمين وكانوا يقابلون بترحاب أضعاف المسلمين!
كانت الشيء المذهل يقبع في البشر..
في مكة والمدينة لا يكاد المرء يحس بالبشر حوله..
أما هنا فيغرقك طوفان نبل البشر..
وكانت النائحات المستأجرات على الفضائيات طوفانا من الأكاذيب لكي تشوههم.. ولم يكونوا يأبهون.. بل كانوا يتناولون ذلك بأريحية ومرح دون حتى سخرية..
-إلى أين تذهب؟
- إلى الكرة الأرضية تحت المنصة..
أو:
- ماذا تفعل:
أخصب اليورانيوم.. أقصد أخصب الفول بالزيت..
***
لولا رمسيس لمت كمدا من أجل رابعة..
خيم عليّ شعور خاطيء بأن الناس في رابعة ماتوا غدرا وغيلة.. وأنهم ظلوا في أماكنهم لأنهم لم يتخيلوا أبدا أن يكون هناك سفاح مجرم يجتاح رابعة.. وأنهم استشهدوا لأنهم لم يحسبوا الأمور حسابا صحيحا وكانوا يثقون في بقايا بشرية عند وحوش الانقلاب المفترسة.. وأنهم أخذوا على حين غرة متوهمين أن الأمر سيكون مثل مذبحة الساجدين أو المنصة ثم تعود الذئاب والثعالب أدراجها..
لهف قلبي عليهم..
كدت أموت قهرا..
لكن بعد أقل من 48 ساعة جاءت الملايين إلى رمسيس..
يا قلبي..
يا كبدي..
جئتم اليوم تتحدون وتشتشهدون وتتحدوا الطائرات المجرمة التي سلطها المجرمون أن تقصفكم بما لم يجرؤوا أبدا أن يقصفوا به إسرائيل.. تحديتم الموت وطرتم شهداء إلى الجنة..
رأيت أجنحتهم فيها ترفرف..
لم تموتوا غيلة وغدرا إذن..
بل استشهدتم مع سبق الإصرار والترصد..
طلبتم ونلتم وفزتم..
يا أشرف أهل الأرض..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق