وليد عبدالماجد كسَّاب
ليس
هناك أَدَلَّ على العداء الكلاسيكي بين العسكر والثقافة من مقولة الألماني
الشهير (جوزيف جوبلز) وزير الإعلام في عصر الزعيم النازي هتلر: "كلما
ذُكرت كلمة (مثقف) تحسّست مُسدسي".. فهذه الكلمة تختزل نظرة العسكري الذي
تقوم حياته على الجدية والالتزام والنظر إلى المثقف على أنه شخص يعيش في
عالم افتراضي لا وجود له؛ بيد أن الدكتور سعد الدين إبراهيم – وهو المثقَّف
وأستاذ علم الاجتماع السياسي- أَبَىَ إلا أن يكسر القاعدة فَرَاحَ يُغازل
العَسْكرَ في ولاية الرئيس مرسي بتقرير صادر عن مركزه المعروف (ابن خلدون)
يشير إلى أن استطلاعًا أجراه المركز كَشَفَ عن رغبة 82% من المصريين في
عودة الجيش إلى سُدَّة الحكم بعد التجربة المريرة مع حكم الإخوان
المسلمين..ثم رأيناه داعمًا بقوة لانقلاب 30 يونية العسكري .. ثم ها هو
يغير رأيه ويتراجع عن دعم السيسي.. وسيظل يغير رأيه رابعًا وخامسًا..لقد هدم سعد الدين –الذي وقَّع على بيان ترشيح جمال مبارك سنة 2010- ما بناه من زُخْرُف القول حول (الديمقراطية) التي ظل يُبشر بها طول حياته التي تخطت حاجز السبعين دون أن يَرْعَوي عن مناقضة نفسه، مثله كمثل غيره ممن صدَّعوا رؤوسنا بالديمقراطية حتى إذا جاءت بغيرهم كفروا بها، حتى قال بعضهم: بئس الديمقراطية التي تأتي بالإسلاميين!!
والحقيقة أنني لم أستغرب مثل هذه الأفعال من الدكتور سعد الدين الذي عاش حياته كلها خادما لتمثال الحرية وحاملا لمشعله.. فسيرته مليئة بعلامات التعجب والاستفهام وغيرها من علامات الترقيم..
ولعلي أذكر بهذه المناسبة ما قاله أستاذنا الراحل الدكتور مصطفى الشكعة المفكر المعروف صاحب الكتاب الشهير (إسلام بلا مذاهب) وذو المواقف الجريئة – وهي شهادة أُحاسب عليها أمام الله تعالى:
حدث أني سألت الدكتور الشكعة -وكان يعمل فى سفارة مصر بالولايات المتحدة الأمريكية في حقبة الستينيات- عن سعد الدين إبراهيم، وهل هو صاحب مبدأ، أم أنه عميل كما يقول نظام مبارك؟!
أَطْرَقَ الدكتور الشكعة قليلا وبدأ في قَصِّ حكاية الشاطر سعد..
كان صوته خفيضا جدا بسبب تقدم السن.. أمَّا سَمْعُه فكان قد ضعف هو الآخر فلا يكاد يسمع إلا بصعوبة بالغة، قال الدكتور الشكعة إن سعد الدين ذهب إلى أمريكا للدراسة وكان قد خطب زميلة له في البعثة، وحدث ذات يوم أن أخبره بعض الطلاب بمشكلةٍ ما حدثت بين سعد وخطيبته التي آثرت الانفصال رافضةً أية محاولات لإصلاح ذات البين، فما كان من الدكتور الشكعة إلا أن تدخَّل مشكورا للصلح بين الزميلين اللذين تربطهما به علاقة وطيدة.
كان سعد حريصًا على أن تعود المياه إلى مجاريها؛ غير أن الفتاة تأبَّت ورفضت باستماتة، وأمام هذا الإصرار من الفتاة طلب الدكتور الشكعة منها الحضور إلى مكتبه ليتحدثا على انفراد، وهناك حاول تهدئتها وقال لها: إن سعدًا شابٌ مؤدبٌ ومحترمٌ وهو أحرص ما يكون عليك وأنا أعلم مدى حبه لك.. ظلَّ الدكتور الشكعة يُلحُّ عليها حتى لم تجد الفتاة بُدَّا من إعلام الدكتور الشكعة بالحقيقة المـُرَّة ففاجأتهُ بقولها: حتى لو كان سعد عميلا للأمريكان؟! إنه يكتب التقارير ويسلِّمها إليهم!!
أُسقط في يد الرجل ولم يجد ما يقوله!! إلى هذا الحدِّ؟!
غادرت الفتاة الملحقية وجلس الشكعة يضرب أخماسا في أسداس.. ولا أدري إن كان هذا الحادث هو أول اتهام لسعد بالعمالة لصالح الـ (CIA) أم لا ..
هذا ما قاله لي الدكتور الشكعة –رحمه الله- منذ أكثر من سبع سنوات، وهو الآن بين يدي الله تعالى، سُقْتُها إلى القارئ الكريم ليقف على جانب مظلم من حياة نخبتنا المثقفة التي تدَّعي حُبَّ الوطن زورًا وبهتانًا..
* كاتب وإعلامي مصري
المصدر: الجزير مباشر مصر
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق