الخميس، 29 أكتوبر 2015

حكم العسكر يدمر المخزون المعرفي لمصر بقلم: ناصر البنهاوي



حكم العسكر يدمر المخزون المعرفي لمصر

بقلم: ناصر البنهاوي

من مخاطر حكم العسكر أنه يدمر الاقتصاد والسياسة والحياة المدنية والحريات العامة ومخزون المعرفة في الدولة، والأخير هو موضوع مقالة اليوم. فالعسكر يعيشون في معسكرات بعيدًا عن الحياة المدنية، وهم متدربون على استخدام السلاح بأنواعه المختلفة ومواجهة الأعداء. بمعنى آخر، خبراتهم العملية ومخزونهم المعرفي منحصر في القطاع العسكري وخبراتهم: فمعرفتهم بالسياسة وإدارة الأعمال والاقتصاد، والاجتماع والعلاقات العامة والدين محدودة للغاية، فلم يدرسوا مثل هذه المعارف كما أن خبراتهم العملية بعيدة عن هذه المجالات.

لذلك فالقول بأن السيسي يجيد السياسة ويفهم نظام الدولة وقريب من المواطن المصري وأقدر على حكم مصر أكثر من سياسيين مثل الرئيس مرسى، والسياسي المخضرم أيمن نور، وحمدين صباحي وغيرهم يعتبر من الشطط.

وأخطاء السيسي الكارثية وأسلوبه الرديء في الخطاب وقدراته العقلية المحدودة أكبر دليل على ذلك.. ونفس المنطق ينطبق على حسنى مبارك وعبد الناصر وكتائب العسكر التي تعمل في الوزارات والهيئات الحكومية المختلفة ووحدات الحكم المحلى وغيرها.

الأسوأ من ذلك، أن العسكر ليسوا من نخبة طلاب مصر؛ حيث إن نخبة طلاب مصر تسكن في كليات الطب والهندسة والاقتصاد والعلوم السياسية وغيرها من كليات القمة.

بمعنى آخر، الفئة التي تحكم مصر هي الفئة التي حصلت على معدلات متدنية في الثانوية العامة مما يهمش ويهدر مهارات ومعرفة وإمكانيات أدمغة مصر ومفكريها ومبتكريها، وأقصد بهم أوائل الثانوية العامة.

أضف إلى ذلك أن العسكري يحتل مناصب قيادية عليا في القطاع المدني بعد تقاعده مما يهمش ويزيح خبراء مصر وكوادرها في التخصصات المختلفة، وأذكر على سبيل المثال، رؤساء أحياء الإسكندرية ومحافظها الجديد. أيهما أصلح لشغل وظيفة محافظ للإسكندرية: شخص عمل طوال عمره في المحافظة أو مجلس المدينة وخبر مشاكلها أو شخص غريب عنها قضى عمره يتدرب على فنون وأدوات القتل في معسكرات الجيش بالصحراء؟! أيهما يصلح سفيراً لمصر رجل حصل على بكالوريوس في السياسة وعمل في سفارات مصر في الخارج سنوات عدة أم لواء جيش حصل على شهادة في المدفعية وتدرب عليها في صحراء مصر لعشرات السنين؟!

فعواجيز العسكر يتغلغلون في الجهاز الإداري للدولة ويُمسكون بمفاصلها المركزية، ويشغلون الوظائف العليا في الوزارات والهيئات الحكومية ووحدات الحكم المحلى. فقد ذكرت جريدة الوطن أن هناك 18 لواء في وزارة الإسكان و20 من كبار موظفي وزارة الإسكان ذوو خلفية عسكرية و37 من قيادات وزارة البيئة عسكريون.. كما أن وزارة التموين بها 5 لواءات وعميد يتحكمون في رغيف خبز المصريين.. كما أن مدير مكتب شيخ الأزهر لواء سابق، ويسيطر متقاعدو البحرية على الموانئ المصرية.. فاللواء مهاب مميش، على سبيل المثال، وصل سن 67 أي عمل 17 عامًا بعد عمره الافتراضي.

لذلك أدعو أحرار مصر وثوارها بعمل ويكيبيديا، يمكن تسميتها «ويكى عسكر»، عن عناصر العسكر المتغلغلين في مفاصل الدولة المصرية لجمع معلومات عن ممتلكاتهم ووظائفهم وتكاثرهم وشهاداتهم وخبراتهم وغيرها من المعلومات المتعلقة بمخزون مصر المعرفى. وحتى يستقر حكم العسكر، يتهمون كل من يخالفهم بالإرهاب، ويحرمونه العمل في المؤسسات الحكومة والتدريس وغيرها مما يقتل علماء وخبراء مصر وكوادرها الفنية مرة أخرى. فالتعيين في الوظائف الحكومية لا يعتمد على الكفاءة بل يعتمد على الولاء للنظام العسكري. وإذا نظرت إلى الفساد والمحسوبية والواسطة في التعيين، تظهر لك كيف يدمر.

فبينما يوجد الآلاف من حملة الماجستير والدكتوراه دون عمل تجد العسكري يشغل مناصب قيادية عليا بعد تقاعده، أي أن عواجيز العسكر يحكمون مصر وهم في سن الستين، ويحصلون على معاش التقاعد ومزاياه، إضافة إلى مرتب الوظيفة المدنية، بينما شبابها وعلماؤها ونخبتها لا يجدون قوت يومهم.. ومن أهم مظاهر قيام حكم العسكر بتجفيف معارف وخبرات وأفكار المصريين أنه لا يقبل الرأي الآخر ولا يتسامح مع الاختلاف والجدال والمعارضة بطبيعته، وخير شاهد على ذلك، أنه أقصى البرادعي بسبب رأيه المخالف وعزل رئيس البنك المركزي بسبب رأى علمي بحت في مسألة أزمة الدولار.

بمعنى آخر لن يستطيع أحد أن يعطى رأيًا أو نصيحة أو استشارة تخالف رأى رئيسه أو زميله وهو يلبس زيا عسكريا.. ويترتب على ذلك عدم وجود حافز للابتكار لدى الطلبة والموظفين والمواطنين بشكل عام طالما أن الحصول على وظيفة والترقية يعتمد على علاقتك بالعسكر وليس الكفاءة والخبرة والقدرة على الابتكار، فتعيين الشخص غير المناسب في المكان المناسب يعتبر تدميرا منظما للدولة ومؤسساتها ومخزونها من المعرفة والخبرة والكوادر الفنية والمهنية، وهكذا نرى دور الحكم العسكري في تجفيف المخزون المعرفي لمصر وقتل كوادرها العلمية وتهميش نخبتها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق